هيثم الحاج على

إدارة الأثر.. كيف تتحول القوة الناعمة إلى عوائد سياسية واقتصادية؟

الجمعة، 09 يناير 2026 01:43 م


لم تعد "القوة الناعمة" مجرد مصطلح أكاديمي يتم تداوله في أروقة العلوم السياسية أو في الأبحاث الأكاديمية ومؤتمرات المثقفين، بل تحولت في العقدين الأخيرين إلى ركيزة أساسية في استراتيجيات الأمن القومي للدول التي تسعى لتعزيز نفوذها في محيطها الحيوي، إن تجارب الدول الناجحة في هذا الملف تثبت أن الفارق بين دولة تمتلك مخزونا ثقافيا وحضاريا، ودولة قادرة على تحويل هذا المخزون إلى "مكاسب ملموسة"، يكمن في كلمة واحدة هي الإدارة.
فعلى سبيل المثال تعد التجربة الكورية الجنوبية (The Korean Wave) نموذجا مرجعيا في كيفية توظيف الثقافة لتحقيق طفرات اقتصادية، حيث لم تكتفِ سيول بتصدير الفنون، بل ربطت هذا الانتشار بتعزيز الثقة في الصناعات التقنية والسلع التجارية، مما أدى إلى ارتفاع مطرد في الصادرات الوطنية وزيادة معدلات الاستثمار الأجنبي.

وفي السياق الإقليمي، نجد أن دولاً استطاعت من خلال "دبلوماسية المساعدات الإنمائية" و"المراكز الثقافية" خلق تكتلات سياسية داعمة لمواقفها في المحافل الدولية، مما قلل من تكلفة الاعتماد على الأدوات الخشنة (العسكرية أو الاقتصادية القسرية) لتأمين مصالحها، وهو ما يمكن اعتباره غنيمة باردة، أو بعبارة أخرى يمكن النظر إلى تكاليف إدارة القوى الناعمة بوصفها تكلفة ضئيلة جدا إذا ما قيست بما يمكن إنفاقه على غيرها لتحقيق الأثر نفسه.

وتتمثل المعضلة الكبرى التي تواجه صانع القرار في التعامل مع القوى الناعمة في الرغبة في إخضاعها لـ "قياسات كمية وشكلية" عاجلة، حيث إن محاولة قياس نجاح التأثير الثقافي بعدد الفعاليات أو الحضور الجماهيري فقط هو اختزال مخل؛ فالعناصر الثقافية تعمل وفق آلية "التراكم"، حيث يهدف الاستثمار فيها إلى تغيير المدركات الذهنية وبناء الثقة طويلة الأمد.

إن استغلال القوى الناعمة لا يتطلب بالضرورة ميزانيات ضخمة بقدر ما يتطلب إرادة واضحة تعي أن "الأثر" لا يمكن حصره في أرقام لحظية، بل في مدى قدرة الدولة على أن تصبح "نموذجا ملهما" أو "شريكا موثوقا" في محيطها، وهو ما يتطلب الانتقال من اللغة الخطابية التي تمجد الماضي، إلى لغة واقعية تستثمر في عناصر الجذب المعاصرة (مثل التعليم، التكنولوجيا، القيم المؤسسية، والإنتاج الإبداعي الحديث).

ولتحقيق مكاسب حقيقية في المحيط الحيوي، يجب أن تستند إدارة القوة الناعمة إلى عدة محاور منها على سبيل التمثيل التكامل المؤسسي من حيث ربط المسارات الثقافية بالمسارات الدبلوماسية والتجارية، واستهداف النخب والجمهور من خلال مخاطبة المجتمعات في المحيط الحيوي بما يلبي احتياجاتهم المعرفية والتنموية، مع ضرورة الابتعاد عن القوالب الجامدة والبيروقراطية في إدارة المشهد الثقافي والإعلامي.

إن القوى الناعمة لم تعد ترفا أو عملاً تجميليا لصورة الدولة، بل هي "قوة ذكية" إذا ما أحسنت إدارتها، إن الدول التي نجحت في محيطها هي التي أدركت أن الثقافة والفنون والتعليم هي جسور عبور آمنة للاقتصاد والسياسة، وأن العائد الحقيقي للاستثمار في هذه القوى يظهر في قدرة الدولة على التأثير في قرارات الآخرين وتوجهاتهم دون إكراه، وهو ما يمثل قمة الذكاء الاستراتيجي في عالم اليوم.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة