اعترف بأنني عندما شاهدت المشجع الكونجولي الأنيق كوكا مبولادينجا، وهو يقف صامتًا مثل تمثال في مباريات الأمم الإفريقية، ظننت الأمر فعلًا شخصيًا يخص محبة الرجل لوطنه ومنتخبه، واختبارًا لقدرته على الوقوف ثابتًا، ولم أربط بينه وبين الرمز الإفريقي باتريس لومومبا (1925–1961)، لكن عندما تبين لي الأمر، ورأيت المعنى الكامن في الفعل، أيقنت بأن المخلصين سيأتي من ينصفهم، حتى ولو بعد 65 عامًا على الموت، أو كما قال البعض: "بعض الرجال لا يموتون".
تأثرت بما شاهدت، ونظرت إلى الفعل بوصفه خطابًا مهمًا في زمننا، زمن يحتاج للبحث عن المحبين لأوطانهم، والإشارة إليهم، ورد الجميل لهم، فها هو العالم كله عاد مرة أخرى إلى سيرة لومومبا، الذي قضى حياته بحثًا عن استقلال وطنه من المحتل البلجيكي، وبعدما تحقق له ذلك، دفع حياته ثمنًا، لأن البعض لم يريدوا أن يعيشوا أحرارًا، وكانت لهم وجهة نظر أخرى في محبة العبودية.
نظرت إلى الموقف بوصفه خطابًا يستحق أن يُقرأ كنص بصري، لا يقل كثافة عن خطاب سياسي مكتوب، وتوقفت عند بعض النقاط.
تأثير الصمت
الصمت هنا لا يعني الغياب، بل يعني الاختيار، ويعني القدرة على قول الكثير، فالمشجع لم يهتف، ولم يقل "أيها الناس، أنا أقلد باتريس لومومبا كي تتذكرونه" بل اكتفى بهيئته الجسدية، راهن على الاستدعاء، استدعاء لومومبا الذي صمت باغتياله، لقد كان صوته/الحق مؤرقًا لكل الذين باعوا الوطن، ولكل الذين وضعوا أيديهم في يد المحتل، لذا كان صمته الإجباري بالنسبة إليهم هو الحل، وكان صمت المشجع دالًا على كل هذه المعاني.
رمزية الجسد
هذه الوقفة الثابتة، مرفوعة الرأس، وسط الصخب الذي تصنعه المباريات الجماهيرية، هي رسالة في حد ذاتها، كأنه يهتف "أيها الناس، هناك قصة لا تعرفونها، قصة لثائر أفريقي سعى لتحرير وطنه من المحتل، أيها اللاعبون الكونجوليون، لكم تاريخ مهم من الكرامة، تذكروه الآن)، وبالطبع يعرف اللاعبون لومومبا، ويعرفون تمثاله، لذا فإن هذه الهيئة التي يرونها أثناء نزولهم إلى الملعب، أو خلال اللعب، حتمًا ستشعل في قلوبهم شعلة التحدي.
الاستعارة
من زاوية الاستعارات، فإن هذا المشهد وصل إلى مرحلة شديدة التداخل، حتى إن البعض أطلق على الرجل اسم لومومبا، وهو من جانبه حرص على الاقتراب في الملامح، وفي اختيار النظارة، وبالفعل، نجحت هذه الاستعارة، العابرة لأكثر من 65 عامًا، في العودة إلى لحظة مهمة من تاريخ الكونجو، لحظة اصطادها النحات حين صنع تمثال البطل الكونجولي، واصطادها المشجع عندما أعادها مرة أخرى.
ولا أظن أن هذا المشهد سيختفي من تاريخ "التشجيع الكروي"، الذي يملك بلاغة خاصة به، ويملك خطابه واستعاراته، سنشاهد هذا المشهد معروضًا كلما جاءت سيرة الأمم الإفريقية، أو طرحت طرق التشجيع، وكلما جرى الحديث عن الكونجو الديمقراطية، وبالطبع كلما جاءت سيرة باتريس لومومبا، الذي يستحق البقاء.
وخلاصة الموضوع، أن علىك أن تعمل بجد واجتهاد وإخلاص، فربما يأتي إنسان لم تلتقه يوما، وبعد مرور الكثير من االسنوات، فيعيد لك جزءا من حقك المسلوب.