عصام محمد عبد القادر

التعليم بين الوسطية والهوية

الخميس، 08 يناير 2026 05:05 ص


التعليم البوابة الرئيسة لبناء إنسان، يمتلك مقومات النهضة، والإعمار، ويحمل رؤية، يحقق من سياقها الرقي، والازدهار، ويضاعف من ثمرة الإنتاج بمزيد من العطاء في إطار الاستدامة، وفي سياق ما يحمله من فكر موجه نحو التنمية بمجالات الحياة المتباينة؛ ومن ثم يحرص على اكتساب الخبرات المربية النوعية المعينة في استثمار الموارد؛ ليستطيع أن يصل إلى القيمة المضافة، التي تحدث نقلات كبرى في الاقتصاد بما يعود أثره على جودة الحياة المستحقة، ويسهم في الرفاهية المنشودة.

هوية التعليم نرصدها من اهتمام واضح باللغة العربية؛ كونها وعاء للحضارة، وحماية للثوابت، وحافظة للفكر، ومورثة للإبداع؛ حيث إنها حية، مرنة، تستوعب في طيات معانيها، ومفرداتها المتجددة كافة العلوم في ثيابها الحديث، ناهيك عن جمال، يتدفق من فيض البلاغة، ومذاق الأدب؛ ليتغذى عليه الوجدان؛ حينئذ يفقه الإنسان أن إتقان اللغة الأم يسهم في فهم الذات، ويعزز الهوية، ويعد بمثابة انطلاقة للانفتاح على العالم الآخر، واعتبار اللغات الأخرى وسائل للتواصل، وتبادل المعرفية، وليس من قبيل الثقافة البديلة.

مؤسسات البناء الفكري، وفي القلب منها المؤسسة التعليمية، تسعى إلى تحقيق هدف نبيل، يتمثل في تعزيز الوسطية، وفق منهجية واضحة المعالم، وترسيخ الهوية في إطار منظومة من القيم، يتبناها المجتمع، ويؤمن بترجمات اتصافاتها، ويدافع عنها؛ ومن ثم تحرص المناهج على ترجمتها في سياق خبراتي، يقوم على فلسفة التسلسل، والتكامل، وهنا يأتي دور الأنشطة المخططة القائمة على سياسية أداء المهام من خلال الفرد؛ حيث يكتسب الخبرة في إطارها الصحيح، والممارسة في صورتها القويمة، والوجدان في مكنونه السّوي.

تنمية الوعي التاريخي أحد أولويات العملية التعليمية؛ إذ تبنى الذاكرة الوطنية في خضم مفاهيم كبرى، تربط في فحواها بين الماضي، والحاضر؛ كي يدرك الإنسان سيرة الكفاح العطرة الخاصة بمن قاموا ببناء هذه الحضارة المصرية المتجذرة؛ ومن ثم يتعزز الفخر، والانتماء، عبر حقائق ثابتة بالدليل، والبرهان لا من خلال الادعاءات المفبركة، والسردية الزائفة؛ فالأمم الأصيلة تصورها سجل الأحداث، وخرائط الجغرافيا، وهنا نتحدث صراحة عن سلاح قوة الثقافة الحاوية للهوية في إطارها الجامع، والمؤكدة على قوة الوحدة، والتماسك؛ لتصبح أداة للرباط؛ ومن ثم لا مكان للخرافات، والأساطير القائمة على فكرة الهيمنة المحرَّفة، أو المزعومة.

أحد غايات التعليم تكمن في بناء مجتمع متماسك، في سياق المواطنة، وقيمها الراسخة؛ حيث فقه الاحترام المتبادل، وتقبل ماهية الاختلاف، أو التباين في الرأي، أو الفكر، والالتزام بصيغة الحوار البناء باعتباره أداة التواصل الرئيسة، وتعضيد فلسفة الشراكة في الوطن، وفي مقوّمات الإنسانية، من حيث الحقوق، والواجبات، وفي هذا السياق تحرص المناهج على تعزيز ثقافة التسامح، وبالأحرى هجر طرائق التعصب، والقبلية، ودحر صور خطاب الكراهية، من أجل التأسيس لفلسفة البناء وفق مفهوم التعاون على البر، من خلال غرس قيم التطوع، وخدمة المجتمع في إطار القناعة بالتكافل أحد الواجبات المرتبطة بالخلق الوطني.

الأمن الفكري، والوسطية يؤسسان على قاعدة رئيسة، تدور فحواها حول العمل الممنهج؛ وذلك حماية للعقل من الغلو، والتطرف عبر الالتزام بالمفاهيم القويمة، وتنمية مهارات التفكير الناقد بمهارته الفاعلة في تنمية المقدرة على تمحيص الأفكار، وتجنب قبول مشوب المسلمات، وهذا في حد ذاته يعد سياجًا من الشائعات المتدفقة، عبر الفضاء المنفلت على وجه الخصوص، وبالطبع تتوافر المناشط التعليمية المخططة، والهادفة إلى تعزيز منهجية القيم النبيلة في الحياة، بما يساعد في زرع ماهية الوسطية، وفقه الاعتدال، ورفض كل صور التشدد، سواءً في الدين، أو التعاملات الحياتية المختلفة.

منهج الوسطية، وترسيخ الهوية الوطنية يتأتى عبر البوابة التعليمية، وما يقدم من أنشطة من شأنها أن تذيب الفروق بكل أنماطها، وتعمل وفق سياسة الاندماج الاجتماعي على بناء شخصية سوية، تدرك ما لها، وما عليها، وتوازن بين الواجبات، والحقوق، وتتفاعل مع المتغيرات المحيطة بإيجابية، وتقدم كل صور المساعدة، والمساندة للجميع، دون انتظار مقابل، لكن من باب الإنسانية الطبيعية، التي جلبت، وتربت على العطاء المستدام، وحب الآخر، غير المشروط.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.

____

* أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
  كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة