وبائع العرقسوس يختفى بـ«رنة النحاس» الحزينة فى زحام فصول نسيت مواعيده
«الأسطى عبده» لا يقرأ تقارير الأمم المتحدة عن ذوبان الجليد، ولا تهتم «خالة ستيتة» بمؤتمرات المناخ فى عواصم العالم، لكنهما يعيشان النتائج كل صباح فى خشونة جدار أو ملوحة خوص.
فى مصر، لم يعد تغير المناخ مجرد مصطلح علمى يسكن الأبحاث، بل تحول إلى «وحش غير مرئى» يعيد تشكيل يوميات البسطاء، ويسرق منهم «أمان الفصول» الذى ألفوه لآلاف السنين.
سنخرج من أروقة القاعات المكيفة لنواجه الحقيقة فى شوارع القاهرة وحقول الدلتا وبحيرات الشمال، نحن لا نتحدث هنا عن «درجات حرارة»، بل عن «أجساد» أصبحت هى خط الدفاع الأول ضد تطرف الجو، ونركز على العدالة المناخية من خلال رصد تأثير تقلبات الجو على 5 مِهن مصرية أصيلة، وكيف تحول المناخ إلى «خصم» غير مرئى يهدد أرزاقهم وصحتهم.
هذه المهن كانت يوما تمثل إيقاع الحياة الهادئ، وأصبحت اليوم فى صراع وجودى، بالتوازى مع زيادة بنسبة 30 % فى ملوحة أراضى شمال الدلتا، وتضاعف حالات الإجهاد الحرارى بين عمال المهن المكشوفة، ما يؤكد أن مصر تمتلك «مختبرا طبيعيا للصمود» كما فى الشعاب المرجانية، لكن هذا الصمود بشرى يحتاج لظهير تشريعى وحماية اجتماعية للفئات الأكثر هشاشة أمام التغير المناخى، فالمناخ ليس عادلا، إذ يضرب من هم أقل تسببا فى انبعاثاته.
سنغوص فى «يوميات العاملين بالمهن المنسية»، لنرى كيف يعيد المناخ صياغة شقائهم اليومى.
الأسطى عبده عامل البناء الذى يقف على «السقالة» فى عز الظهيرة، عليك أن تتخيل أن المطرقة التى يحملها تصبح قطعة من الجمر. ومع ارتفاع الحرارة تتحول «الطوبة الأسمنتية» إلى «خزان حرارى» يفرغ سخونته فى جسد العامل حتى بعد غروب الشمس.
إجهاد المعدن والجسد، كيف يضطر هؤلاء لتغيير نظام حياتهم ليعملوا «ليلا» تحت إضاءة خافتة، ما يزيد من مخاطر السقوط والإصابات، فقط لأن الشمس لم تعد «صديقة» بل أصبحت خصما يهدد بتوقف عضلة القلب.
فالبناء هو عصب التنمية فى مصر، و«الأسطى صفيح» (أو فواعلى الأسمنت) هو الجندى المجهول الذى يدفع ضريبة «الاحتباس الحرارى» من عافيته.
المشهد الأول: شمس لا تغيب عن الحجر فى تمام الساعة الثانية ظهرا، فوق سقالة خشبية مهتزة بالدور العاشر فى منطقة «التجمع» أو «أكتوبر»، يقف (عم عبده) لا يخشى الارتفاع، لكنه يخشى «العدو الخفى»، الهواء من حوله ليس مجرد هواء، بل هو «فرن» مفتوح.
.jpg)
يقول عم عبده: «زمان كانت الطوبة بتبرد فى إيدينا، دلوقتى الطوبة بتغلى»، ما لا يعرفه عم عبده علميا هو ظاهرة «الجزر الحرارية الحضارية»، فالخرسانة والأسمنت فى المدن الجديدة تمتص حرارة الشمس طوال النهار وتخزنها، بالنسبة لعم عبده، الجدار الذى يبنيه ليس مجرد سور، بل هو «دفاية عملاقة» تشع الحرارة فى وجهه وهو يحاول طلاءها.
المشهد الثانى: صراع الـ«إنفرتر» والجسد العارى.. بينما يخطط المهندس لتركيب أجهزة تكييف «إنفرتر» الموفرة للطاقة داخل الشقة، يقف عم عبده فى الخارج بصديرى خفيف لا يحميه من شىء، فهو يعمل فى مهنة تبنى «الراحة» للآخرين، لكنها أصبحت هى المهنة الأكثر «إنهاكا حراريا».
بعفوية شديدة عم عبده حريص على أن يلف رأسه بـ«فوطة» مبللة بالماء. هذه الفوطة هى «نظام التبريد الوحيد» لديه، لكن المشكلة أن الرطوبة العالية فى جو مصر الجديد تجعل العرق لا يتبخر، فيظل جسده ساخنا كالمحرك الذى أوشك على الاحتراق.
المشهد الثالث: ليل البنائين الجديد «المناخ كسر مواعيدنا»، يقولها وهو يمسح الغبار عن عينيه، اضطر عم عبده وزملاؤه لابتكار «نظام بيئى» خاص بهم: العمل من الفجر حتى العاشرة صباحا، ثم التوقف التام، والعودة بعد المغرب.
الثمن الاجتماعى.. عم عبده أصبح غريبا عن بيته، ينام حين يستيقظ الناس، ويعمل تحت كشافات تستهلك طاقة إضافية، وتجذب حوله حشرات لم تكن تظهر فى هذا الوقت من قبل، نتاج تغير دورة حياة الحشرات بسبب الحرارة.
إن قصة عم عبده «الأسطى صفيح» ليست عن البناء، بل عن «العدالة المناخية»، فبينما نتناقش نحن فى المؤتمرات عن «درجة الحرارة 1.5 مئوية»، يشعر هو بها فى خشونة يده وتوقف أنفاسه فوق السقالة. هو يبنى بيوتا لنسكنها، والمناخ يهدم «ساعته البيولوجية» يوما بعد يوم، الأمر الذى يحتم وجود تشريعات تلزم المواقع الإنشائية بوقف العمل فى ساعات «الذروة الحرارية» المتطرفة، وتوفير ملابس عمل ذكية «مسامية» تعكس أشعة الشمس وتسمح بتبخر العرق، وتدريب العمال على معرفة علامات ضربة الشمس قبل وقوع الكارثة.
«سيدة الخوص» هى صانعة الحصير وتملح الأرض، «اليوم السابع» تنتقل إلى حقول الدلتا، حيث تروى لنا «سيدة الخوص» قصة صراع من نوع آخر، صراع بين أصابع الفنانة وملوحة الأرض التى لا ترحم.
المشهد العام: سيدة ريفية فى الدلتا تعتمد على نبات «السمار» أو الجريد لصناعة الحصير والسلال، مع زحف مياه البحر و«تملح التربة» نجد النباتات التى كانت لينة وطيعة فى يدها «جافة وقصيرة وقابلة للكسر»، بينما أصابعها التى تشققت من جفاف الخامة أصبحت الونس الوحيد، المناخ هنا لا يهدد كوكب الأرض فحسب، بل يهدد «نعومة يد الأم» ومصدر رزقها الصغير، ويحول مهنتها التراثية إلى معركة خاسرة مع خامات ترفض الانصياع.
ملوحة البحر تكسر «عروس النيل»
المشهد الأول: سر الحصيرة الذى ضاع فى الملح فى قرية صغيرة تطل على نهايات فرع رشيد، تجلس الخالة ستيتة، وأمامها كومة من نبات «السمار»، والتى كانت قديما تفخر بأن خوصها «لين كالحرير»، يطاوع أصابعها لتنسج منه حصير الصلاة وسلال الخبز، لكن اليوم يبدو المشهد مختلفا، فالنبات فى يدها «ناشف» ومتقصف، وكأنه يرفض أن يتشكل.
تقول خالة ستيتة: «الأرض شربت ملح البحر، والزرع طالع عاصى». هنا تظهر بصمة تداخل مياه البحر، فمع ارتفاع منسوب سطح البحر نتيجة ذوبان الجليد، بدأت مياه المتوسط المالحة تزحف تحت التربة فى الدلتا، لتطرد المياه العذبة، والنباتات التى تعتمد عليها هذه المهنة مثل السمار والبردى، أصبحت تعانى من «العطش المالح»، ما يجعل أليافها قصيرة، جافة، وسهلة الكسر.
.jpg)
فئات تدفع ثمن تغير مناخ
المشهد الثانى: أصابع الخالة كاملة تدفع الثمن، فحين تنظر إليها لم تعد الشقوق فى كفها ناتجة عن العمل الشاق فحسب، وإنما أصبحت «جروحا مناخية».
أما الخالة كاملة، فلكى تجعل الخوص يلين، تضطر لنقعه فى الماء لساعات أطول، لكن الماء نفسه أصبح أكثر ملوحة، ما يزيد من جفاف جلدها ويجعل الخوص يفقد لونه الزاهى ويتحول للون شاحب «مريض»، و«الحصيرة اللى كانت بتخلص فى يومين، بقيت أخد فيها أسبوع»، تقولها ستيتة بحسرة، وكأنها تعلن أن المناخ هنا لا يهدد البيئة فقط، بل يسرق «زمن الرزق»، ويحول العمل الممتع إلى عبء ثقيل ينهك المفاصل والأعصاب.
المشهد الثالث: انقراض «المهنة الخضراء» خالة كاملة هى فى الحقيقة «بطلة بيئية» دون أن تدرى، فهى تصنع منتجات حيوية قابلة للتحلل بنسبة 100 %، لكن مع تغير المناخ، يضطر أبناؤها لترك المهنة والبحث عن عمل فى مصانع البلاستيك.
بتغير المناخ، نحن لا نفقد نباتا فحسب، بل نفقد «معرفة تراثية» تراكمت عبر آلاف السنين منذ عهد الفراعنة، فعندما تموت «سيدة الخوص»، يموت معها جزء من تاريخ مصر الصديق للبيئة، ليحل محله البلاستيك الذى يخنق الكوكب.
قصة «سيدة الخوص» هى صرخة مكتومة من قلب الدلتا، تخبرنا أن «تغير المناخ» ليس مجرد ذوبان ثلوج فى القطب الشمالى، بل هو «ملح» يتسلل لبيوتنا، ويفسد حرفنا اليدوية، ويكسر قلوب صانعات الجمال اللاتى علمتنا يوما كيف ننام على «حصير الأرض» بسلام.
قصة كاملة، قصة ملهمة، علينا معها أن نطالب مراكز البحوث الزراعية بضرورة توفير بذور لنباتات الألياف تتحمل الملوحة العالية، وإطلاق مبادرات لدعم المنتجات اليدوية وتسويقها عالميا كـ«منتج مناخى مستدام» لتعويض الصانعات عن الجهد الإضافى، والاستمرار فى مشاريع حماية الشواطئ وتبطين الترع لتقليل تسرب الملوحة للأراضى الزراعية.
ننتقل الآن إلى قلب البحيرات الشمالية، حيث لا يواجه الصياد والأمواج فحسب، بل يواجه غزوا من نوع آخر يغير شكل الرزق تحت سطح الماء.
صياد بسيط بمركب خشبى صغير فى بحيرة البرلس أو إدكو، يروى لك حكاية «هجرة الأوطان تحت الماء» بسبب دفء المياه، حيث تهاجر الأسماك «بنت البلد» التى يعرف الصياد طعمها وأماكنها، وتأتى أسماك «غازية» غريبة تمزق شباكه الرقيقة ولا يعرف الناس كيف يأكلونها.
.jpg)
الصيد
عم حامد صياد يقضى 12 ساعة فى البحر ليعود بشباك ممزقة وسمك غريب لا يعرفه الصياد ولا يشتريه منه أحد، فالمناخ هنا يسرق منه «خبرة الأجداد»؛ فلم تعد مواقيت الصيد التى تعلمها من والده صالحة فى زمن المحيطات الغاضبة.
المشهد الأول: بوصلة الأجداد التى تعطلت يقف «الريس حامد» على حافة مركبه الخشبى الصغير «الفلوكة» فى بحيرة البرلس، لا يحتاج إلى خرائط، هو يعرف «سكة السمك» بالخبرة، متى يهاجر البلطى ومتى يظهر البورى، لكن اليوم يرمى شبكته وهو يتمتم: «البحر مابقاش له أمان، والسمك نسى ميعاده».
.jpg)
الصيادون
هى حقيقة مناخية أدركها عم حامد بالفطرة، فبسبب الاحتباس الحرارى ارتفعت درجة حرارة مياه البحيرة بشكل ملحوظ، والأسماك «بنت البلد» الحساسة للحرارة تهرب إلى الأعماق الأبرد أو تهاجر بعيدا، وفى المقابل تظهر أنواع «غازية» جاءت من مناطق أكثر دفئا.. بالنسبة لحامد، هذا ليس مجرد «تغير بيولوجى»، بل هو «فقدان للسيطرة» على مهنته.
المشهد الثانى: معركة الشباك الرقيقة، المأساة الإنسانية تظهر عندما يرفع حامد شبكته ليجدها ممزقة، السمك الجديد «الدخيل» غالبا ما يكون له أشواك قوية أو أسنان حادة لم تكن شباك البرلس الرقيقة مصممة لها.
المفارقة هنا ما قاله عم حامد ببساطة: «الصياد الذى بالكاد يغطى دخل يومه، يجد نفسه مضطرا لشراء شباك أغلى وأقوى، أو قضاء ساعات فى «رتق» أو خياطة الشباك القديمة التى أكلها السمك الغريب، وليت الأمر يقف عند هذا الحد، لكن الزبون فى الحلقة بيخاف منه»، وهنا المناخ يضع عم حامد فى مأزق «تسويقى»، فهو يصطاد ما لا يعرفه الناس، ويخسر ما كان يطلبه الناس.
المشهد الثالث: رحلة البحث عن «الظل المائى» أصبح حامد يضطر للابتعاد أكثر عن الشاطئ، والدخول فى مناطق أعمق وأخطر، بحثا عن أسراب السمك الهاربة من الحرارة، ما يجعله يستهلك وقودا أكثر، بالإضافة إلى ما يتعرض له من مخاطر مثل نسبة غرق أكبر للمركب الصغير، وإجهاد بدنى مضاعف تحت شمس حارقة، فالمناخ حول «الصيد» من مهنة صبر وتأمل، إلى «مطاردة يائسة» لرزق يهرب كلما ارتفعت حرارة الكوكب.
قصة «الريس حامد» تلخص حال آلاف الصيادين على سواحل مصر، حيث إن المناخ لم يغير لون الماء فقط، بل غيّر «خريطة الرزق» أيضا، حامد لا يطلب تبرعات، هو يطلب أن يعود البحر كما كان، أو أن تساعده التكنولوجيا ليفهم لغة «السمك الجديد» قبل أن تصبح شباكه مجرد خرق بالية فى بحيرة صامتة، وإنشاء «نظام إنذار مبكر» للصيادين لتعريفهم بالأنواع الجديدة وكيفية صيدها والاستفادة منها اقتصاديا، إضافة إلى توفير شباك مطورة تتحمل الأنواع الجديدة وتناسب التغير فى طبيعة البحيرة، وتشجيع الصيادين على إنشاء أقفاص سمكية داخل البحيرة لضمان دخل ثابت بعيدا عن تقلبات الهجرة السمكية.
عمال النظافة هم بالفعل «جنود الظل»، فكل واحد فيهم يواجه أقسى تجليات التغير المناخى «تلوث الهواء والحرارة» وجها لوجه، ليمنحنا مدينة صالحة للعيش، حيث يكنس الشوارع فى الفجر أثناء «الشبورة المائية» المشبعة بالملوثات، وهو أيضا الرئة التى تصفى هواء المدينة قبل أن يستيقظ سكانها.

فئات تدفع ثمن تغير مناخ
نوبات تلوث الهواء فى الشتاء تجعل «مكنسته» تثير غبارا لا يراه، لكنه يستقر فى صدره كقطع الزجاج الصغيرة، فهم الفئة الأكثر تعرضا لأمراض الصدر المزمنة، ومع ذلك فهو الأقل قدرة على شراء «كمامة طبية» أو منقى هواء.
المشهد الأول: السحابة السوداء
فى الرابعة فجرا، وبينما القاهرة غارقة فى صمتها، يقف «عم صابر» بمكنسته الخشبية فى أحد الشوارع الجانبية. فى الشتاء لا يواجه صابر البرد القارس فحسب، بل يواجه ما يسميه الضباب التقيل، هذا ليس مجرد ضباب، إنها ظاهرة «الانقلاب الحرارى»، حيث يحبس الهواء البارد الملوثات من عوادم السيارات والأتربة الناعمة قريبا من سطح الأرض، تماما فى مستوى أنف عم صابر.
يقول عم صابر: «زمان كان الفجر ريحه ندى، دلوقتى الفجر ريحه شياط وتراب بيخنق»، فهو لا يعرف أن المناخ وتلوث الهواء حولا مهنة «النظافة» إلى معركة استنشاق، كل حركة بمكنسته تثير ذرات الغبار الدقيقة التى لا تراها العين لكنها تخترق رئتيه مباشرة، فى غياب تام لوسائل الحماية المتطورة.
المشهد الثانى: بينما يهرع الناس لارتداء الكمامات فى أيام «العواصف الترابية» أو نوبات التلوث، يظل عم صابر فى مكانه، فهو الفرد الذى يمنع تراكم النفايات التى تطلق غاز الميثان، والذى يعد أحد أقوى غازات الاحتباس الحرارى، لكنه الفرد الأقل حماية من تبعات هذا التغير.
صوت «كحة» عم صابر المتكررة، ليست نوبة برد عابرة، بل هى رد فعل جسده على سنوات من العمل كـ«فلتر بشرى» للمدينة، هو يزيل القمامة من الشارع، لكنه يضطر «لتخزين» ملوثات الهواء داخل جسده.
المشهد الثالث: يشير الى الصيف الذى لا ينتهى مع امتداد موجات الحر فى مصر، لتشمل شهورا كانت تعتبر «ربيعية»، أصبح عم صابر يواجه خطرا مزدوجا، فعندما تعمل الحرارة على سرعة تحلل النفايات العضوية فى الحاويات، يؤدى هذا إلى إطلاق روائح وغازات سامة تزيد من صعوبة تنفسه، وتجعل مهنته أكثر خطورة على صحته العامة.
قصة «عم صابر» هى تذكير لنا جميعا بأن «البيئة» ليست رفاهية. عندما نتحدث عن تقليل الانبعاثات، نحن نتحدث عن حق عم صابر فى أن يتنفس دون ألم.
هو لا يطلب منا تصفيقا، بل يطلب أن نعترف بأن جسده ليس «مكبا» لسموم المدينة، وأن حمايته بملابس مجهزة وكمامات طبية هى جزء لا يتجزأ من «العدالة المناخية»، مع ضرورة استبدال الكنس اليدوى فى الشوارع الكبرى بمركبات تنظيف كهربائية تمتص الأتربة بدلا من إثارتها، وإطلاق بروتوكول طوارئ مناخية يمنح عمال النظافة «إجازات مدفوعة» أو ساعات عمل مخفضة فى الأيام التى تسجل فيها جودة الهواء مستويات خطر، وتوفير فحوصات دورية لوظائف الرئة لعمال النظافة كحق أصيل لمواجهة مخاطر المهنة البيئية.
بائع العرقسوس هو «أيقونة» الشارع المصرى، وقصته تحمل بُعدا دراميا خاصا لأنها ترتبط باختفاء «الفصول» التى نعرفها، إليك القصة لتكتمل بها خماسية «أجساد تحت ضغط المناخ»، فتذبذب الفصول جعل «موسم الرزق» مضطربا، وبرودة الشتاء المفاجئة والقارسة تقتل الطلب على مشروبه، وموجات الحر المبكرة فى الربيع ترهق جسده النحيل الذى لا يتحمل السير لمسافات طويلة، ومع اختفاء «رنة النحاس» فإن تغير المناخ هنا يمحو فلكلورا شعبيا لأن «صاحب المهنة» لم يعد جسده ولا سوقه يتحملان تقلبات الجو المتطرفة.
.jpg)
فئات تدفع ثمن تغير مناخ
المشهد الأول: يقف «عم حسن» بملابسه المزركشة وقدرة نحاسية لامعة، يمسك بالصاجات ويصدر رنته الشهيرة التى كانت قديما تعلن عن بدء «موسم العطش»، لكن عم حسن اليوم يواجه معضلة، ألا وهى المناخ فى مصر الذى أصبح «متطرفا ومفاجئا»، والشتاء الذى كان لطيفا وأصبح قارسا وقصيرا، والصيف يقتحم الفصول بموجات حر مبكرة تارة، وبرد مفاجئ تارة أخرى.
يقول عم حسن: «الجو مابقاش له كتالوج، يوم حر يخلى القِدرة تخلص فى ساعة، ويوم برد يخلى الرزق يقف بالأيام»، إن التوصيف البيئى لما يواجهه عم حسن هو ظاهرة «التطرف المناخى»، حيث تلاشت الفصول الانتقالية «الربيع والخريف»، وبالنسبة لبائع العرقسوس، هذا يعنى «موسم رزق» مشوه وغير قابل للتنبؤ، ما يجعله عاجزا عن تقدير كمية «العرقسوس» التى ينقعها يوميا، فإما أن ينفد الرزق أو يفسد العصير.
المشهد الثانى: عم حسن تعود على ثقل النحاس على جسده المنهك، فيحمل «قِدرة» تزن أكثر من 30 كيلوجراما فوق ظهره، ومع ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق فى شهور «أمشير» أو «برمهات»، يصبح المجهود البدنى لجسده المسن خطرا حقيقيا.
عم حسن يبيع «شفا وخمير» ليبرد على قلوب الناس، بينما قلبه هو يلهث من الإجهاد الحرارى، فلم تعد «ترن» صاجاته بنفس القوة، بالتوازى مع النحاس الذى يسخن على ضهره من الشمس، يقولها بأسى، وببساطه شديدة ولم يكن يدرك أن المناخ هنا يحول «أداة الرزق» إلى عبء مادى وجسدى يسرق منه بهجة المهنة.
المشهد الثالث: انقراض «صوت المدينة» بسبب تذبذب المناخ، حيث يضطر أبناء «عم حسن» لترك المهنة والعمل كدليفرى أو فى محلات مغلقة مكيفة، وهو الأثر المؤلم لتغير المناخ، فهنا يقتل «التراث الشفهى والبصرى»، وعندما يختفى بائع العرقسوس من الشارع بسبب عدم قدرة جسده على تحمل تقلبات الجو، نحن لا نفقد مشروبا فحسب، بل نفقد «روح المدينة» التى صمدت لمئات السنين وتهزمها الآن بضع درجات مئوية.
قصة «عم حسن» هى تذكير بأن المناخ يعيد تشكيل «هوية الشارع» فبائع العرقسوس ليس مجرد تاجر، هو «ترمومتر» بشرى للجو، عندما تتوقف رنة صاجاته فى عز الربيع لأن الجو أصبح «أبرد من اللازم» أو «أحر من المحتمل»، فهذه علامة على أن التوازن البيئى فى مدينتنا قد اختل بشكل يستوجب الانتباه، ولا بد من المطالبة بتوفير نقاط تمركز حضارية لبائعى المشروبات التراثية تحميهم من شمس الظهيرة المباشرة، وتحويل بائعى العرقسوس إلى «سفراء للتراث البيئى» وتدريبهم على تقديم مشروباتهم بأساليب صحية تناسب تغيرات الجو، وإدراج أصحاب المهن الموسمية فى برامج حماية اجتماعية تعوضهم عن «أيام الركود» الناتجة عن الظواهر المناخية المتطرفة.
إنهم جميعا يمثلون «مختبر الصمود البشرى»؛ فئات لم تكن يوما سببا فى انبعاثات الكربون، لكنها اليوم تدفع الثمن من عافيتها، ومن أرزاقها، ومن مستقبل مهن توشك على الانقراض، ونحن أمام «عدالة مناخية» غائبة، وقصص إنسانية تؤكد أن حماية الكوكب تبدأ أولا بحماية الإنسان الذى يبنيه، ويطعمه، وينظفه، ويسقيه.. هؤلاء هم أبطالنا، وهذه هى حكاياتهم مع «المناخ الغاضب»، فبينما تتباهى التكنولوجيا بقدرتها على إدارة المحميات «عن بُعد» تظل أجساد هؤلاء هى «المختبر الحقيقى» الذى يكتوى بنار التغير المناخى «عن قُرب».
إن صمود شعابنا المرجانية هو معجزة طبيعية، لكن صمود هؤلاء البشر هو مأساة إنسانية تتطلب أكثر من مجرد إشادة، تتطلب عدالة تنقذ أرواحهم.