أدب الجريمة هو ذلك النوع من الأدب الذي ينقلك إلى عالم آخر من المتعة، تارة تتفاعل معه وتارة تتصور نفسك تقوم بدور المحقق في الرواية، وتبحث عن الحلول قبل القراءة، وقد ارتبط ذلك بنوع من الأدب بأسماء كبيرة تركت بصمة مميزة في أدب الجريمة وعلى رأسهم الكاتبة الكبيرة أجاثا كريستي التي تعد ملهمة للكثير من كتاب أدب الجريمة، كما ظهرت في الفترة الأخيرة أسماء جديدة تألقوا في ذلك النوع من الأدب، ومن بينهم الكاتبة الشابة يارا رضوان التي حفرت اسمها ضمن كتاب الأكثر مبيعًا في معرض الكتاب والمكتبات المصرية، وفي ضوء ذلك تواصلنا مع الكاتبة للحديث عن مشوارها الأدبي.
حدثينا عن بداياتك في عالم الأدب
في حقيقة الأمر أنا مفتونةٌ بالكتابة منذ صغري، ليس ادّعاءً أو حديثًا يقال لتعزيز التجربة؛ فالكثيرين بدأوا في مراحل عمرية متقدَّمة لكنَّهم منحوا الأدب ما لا يُنسى.
أنا كنتُ قد كتبتُ أولى قصصي في الصف الرابع الابتدائي، في كراسةٍ كان من المفترض أن أستخدمها لكتابة "الواجب المنزلي"، لكنَّ سحر القلم وغوايته تمكَّنا منِّي، فجلستُ إلى مكتبي وهناك حقَّقتُ لقلمي مآربه، ومعاً أخرجنا أوَّل قصصنا للحياة، ومن بعدها تتابع السيل، كأنَّني بتلك المطاوعة الساذجة لسيطرته هدمتُ السّد الذي كان يقف أمام كلماتي.
هذا عن سدّ الكلمات، لكنّ السدَّ الفاصل بينها وبين الوصول إلى القارئ رافقني حتى عام 2021، ولا أعرف المعجزة التي حدثت وقتها تحديدًا، لكنِّي -فجأةً- قرَّرتُ أنَّ وقت خروج مؤلفاتي للنور قد حان، وهكذا نشرتُ أوَّل رواياتي، كانت رواية تنتمي لفرع الرواية الرومانسية، وهي معلومة لا يعرفها الكثير عنِّي لأنَ شهرتي قد جاءتْ عقب دخولي لعالم روايات الجريمة.

يارا رضوان
ما سبب اختيارك الكتابة في مجال أدب الجريمة؟
وجدتُ في أدب الجريمة فرصتي لمناقشة الكثير من القضايا والموضوعات في جوٍ مشحون بالترقب والتشويق على امتداد خط العمل الأدبي، كما أنَّ دخولي هذا المجال جاء استجابةً لميولي منذ الصغر؛ فمنذ طفولتي وأنا مفتونة بقصص التحقيقات، لا أخجل حتّى من قول أنَّني شاهدتُ أنمي التحقيقات الشهير كونان للدرجة التي دفعتني لتقليد قصصه في مراحل عمرية مبكرة، وحينما كبرتُ ظلَّتْ ذائقتي الأدبية تميل دومًا إلى قصص الجريمة والإثارة النفسية؛ فقرأتُ لأجاثا كريستي، دان براون، ثمَّ تعرَّفتُ على أقلام حديثة في ذات التصنيف مثل فريدا مكفادن، شاري لابينا، رفاييل مونتيز، الكاتبة المصرية الجميلة نهى داود، وهكذا في لحظة شجاعة مفرطة وجدتُ نفسي أطرح عليّ سؤالًا طائشًا: لماذا لا تكتبين مثلهم؟
أعترف أنَّ خطوة وضع أوَّل قدم فوق هذا الدّرب الشائك كانت بالغة الصعوبة، مملوءة بالخوف من الفشل، معجونة بالرَّهبة والترقب؛ فكتابة قصَّة جريمة مُحكمة ليستْ بمثل سهولة قراءتها، هناك العديد والعديد من التفاصيل الواجب الإلمام بها، إنَّ كتابة حبكة بوليسية مقنعة أشبه بأن تسير فوق حبلٍ مشدود لمسافة عشرين مترًا وأنت تحمل فوق كلّ كف كومة أطباق؛ أيّ التفاتة خاطئة، أي شرودٍ أو سهو سيفسد اللعبة كلّها.. وأعتقد أنَّ روح المغامرة هذه هي التي استهوتني لعبور بوابة هذا العالم.

هاتف وثلاث جثث
ما مدى صعوبة الكتابة في ذلك المجال؟
لا أودُّ أن أجعل الأمر يبدو دراميًا؛ لكنّها بنفس صعوبة القيام بعملية جراحية، القلم مشرطنا، وتفاصيل الأحداث وتداخلاتها وعلاقات الشخصيات ببعضها هي جسد المريض، والوصول إلى الجزء المعطوب لإصلاحه في ذاك الجسد هي لحظة الذروة وانكشاف الحقائق.
تتطلّب الكتابة في أدب الجريمة ذهنًا حاضرًا، كما تحتاج لبراعة أديبٍ كبير، وتفكير قاتل مأجور، أجل؛ نتحوَّل نحنُ الكتّاب في هذا الفرع إلى قتلة خلال الصفحات، ولولا التباسنا لهذا الدور الخطِر لما نجح لنا عملٌ واحد؛ فالكتابة فيه لا تحتاج فقط براعة ودقة في سرد الأحداث بل يجب أن يُساندها تفكيرٌ إجرامي والإجابة دائمًا على سؤال واحد: لو أنَّني المجرم حقًا فكيف سأفعلها؟ لكن لا تقلقوا، سرعان ما نخلع عنّا هذا الدور الشرير عند الوصول لكلمة تمَّت!.
هل الأحداث الخارجية تؤثر على كتابتك؟ أي هل تقتبسي بعض الأحداث الحقيقة داخل رواياتك؟
الأحداث الخارجية صديقة كاتب أدب الجريمة وملهمته، إنَّني لا أنفك أطالعها وأستغرق في تفاصيلها المؤلمة إنسانيًا، ناشدةً هذا الألم بالتحديد؛ فمنه تولد القصص وتُخْلَق التشابكات.
أودُّ في هذا الصدد ذكر أنَّ جرائم القتل المذكورة في عملي الأدبي الأوَّل في الجريمة "هاتف وثلاث جثث" جميعها حصلتْ على أرض الواقع في مصر، والعديد من قرَّائي تمكّنوا من استنباط ذلك بأنفسهم.
ما المدة التي تحتاجينها للانتهاء من رواية
هذا سؤال فضفاضٌ جدًّا؛ لأنَّ الروايات لا تتشابه في ظروفها قط، كل رواية هي حالة خاصة مستقلة بذاتها، هي وأفكارها وشخصياتها، أحيانًا تكون رواية مُلحّة، ذات شخصيات لا تتوقَّف عن الثرثرة داخل عقلي، مما يجبرني على الكتابة طيلة اليوم فقط كي يصمتوا قليلًا، أحيانًا أخرى تكون رواية هادئة، صبورة، ذات إيقاع بطيء ومنضبط، تعطيني وقتي في التفكير وتشعيب الأحداث وتغيير مسار شخصياتها وفقما أشاء، لأجل ذلك كلّه دائمًا ما تختلف مواقيت إنهائي للروايات، رواية مثل هاتف وثلاث جثث كتبتها في عام، أمَّا لا تذهب إلى الفردوس كتبتها في ستة أشهر تقريبًا، أكثر رواياتي جموحًا وإلحاحًا كانت دفتر اليعسوب، هذا شيء أقوله لأوَّل مرَّة لكنَّني أنهيتها كلّها في ثلاثة أشهر فحسب!

الفصل الأول من الجريمة
هل كنت تتوقعي أن تصل أعمالك إلى الأكثر مبيعًا؟
بالطبع لا، لم أكن أتمنّاها حتّى، كما أنَّني أفضّل لفظ الأكثر قراءة، إنَّه لفظٌ ساحر وله إيقاعه داخل قلبي؛ فأن تُباع لك نسخة لا يعني بالضرورة أن تُقرأ، بوسعي استخراج أكثر من خمسين كتاب من مكتبتي الشخصية لم أقرأهم إلى الآن، البعض منهم ينتمي لمعرض 2021.
ربَّما لأجل ذلك أميل إلى مراقبة مسيرة مؤلفاتي عبر تطبيق أبجد، فالقارئ الإلكتروني عادةً ما يعطيك انطباعًا مباشرًا عقب انتهاؤه من القراءة، وبالتتابع بوسعك استنتاج إن كان مؤلفك يُقرأ حقًا أم لا.
هل تفكرين في الاتجاه لنوع آخر من الأدب؟
لقد فعلتها بالفعل؛ فرواية "دفتر اليعسوب" تنتمي لأدب الفانتازيا، وحقيقة الأمر كنتُ متخوفة كثيرًا من تقديمها للقرَّاء بعدما اعتادوا تصنيف الجرائم منِّي، لكنِّي بطبعي أحب التجريب، وأميل إلى الكتابة في جميع التصنيفات وتغطية كافّة المواضيع التي لا تني تضرب حائط أفكاري بإلحاح؛ لذلك أجل، لقد غادرتُ ثوبَ الجريمة مرَّة وأعرف أنِّي سأكررها مرارًا في المستقبل.

دفتر اليعسوب
ما هي أعمالك الأدبية؟
أول أعمالي الأدبية في أدب الجريمة صدرت عام 2023 برواية "هاتف وثلاث جثث"، ثم قدمت روايتين في نفس النوع من الأدب بعنوان "الفصل الأول من الجريمة" و" آخر ما يمكن قتله" خلال عام 2024، وفي عام 2025 أصدرت رواية بعنوان "دفتر اليعسوب" وعلى خلاف العادة انتمت الرواية إلى أدب الفانتازيا، لأعود مرة أخرى إلى أدب الجريمة في معرض الكتاب 2026 براويتي الجديدة "لا تذهب إلى الفردوس".

آخر ما يمكن قتله
ما هي أحدث رواياتك الأدبية؟
رواية لا تذهب إلى الفردوس والتي ستشارك في فعاليات الدورة الـ 57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2026، وتدور أحداث الرواية حول مجموعة من الأصدقاء عند تلقّيهم دعوةً للإقامة في مزرعة الفردوس لمدَّة أسبوع؛ لم يخطر ببالهم قط أنَّ العُطلة الشتوية الهادئة قد تتحوَّل إلى كابوس، وساحة محاسبة على جميع أخطاء الماضي! مِن عُطلةٍ للاحتفال بعيد مولد ليال -صاحبة الدعوة- إلى توترٍ ناتجٍ عن اختفائهم واحد تلو الآخر؛ تنفجر الأسرار، وتنكشف خطيئة كلّ فردٍ منهم، ليتَّضح أنَّ "الفردوس" التي اجتمعوا في رحابها، هي بمثابة وحش أيقظَ الشيطان الكامن في صدورهم على حدة، مَن المسؤول عن حوادث الاختفاء؟ وأين يذهب الجميع في مكانٍ معزول يصعب الوصول إليه؟ مَن أطلق الرصاصة القاتلة في النهاية.. هل هو الشخص المُدبِّر أم شخصٌ آخر كان السبب الرئيسي لحدوث كلّ ذلك؟

لا تذهب إلى الفردوس