طوال سنوات لم يتوقف التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا، منذ تولى الجنرال هوجو تشافيز السلطة، ونجح فى مواجهة تداعيات كثيرة، وانقلابات، لكنه تصدى لذلك باعتباره زعيما مؤسسا، حاول أن يطبق منهجا اشتراكيا يوزع الثروة بعدالة، لكن الأمر لم ينجح خاصة أنه طرد الاستثمارات الأمريكية، ورجال المال والأعمال، ما أدى إلى تدهور اقتصادى تجسد فى مجاعة قبل 8 سنوات، وهروب جماعى وجريمة، وعندما تولى «مادورو» استمر التدهور، فضلا عن حصار وعقوبات أمريكية جعلت الوضع والحياة فى فنزويلا متدهورة.
عام 2019 كان قمة التوتر بعد عقدين من الزمن، حيث أعلن رئيس الجمعية الوطنية خوان جوايدو نفسه رئيسا للبلاد، فى مواجهة الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو، الأمر الذى فجر موجة من الفوضى، سقط على إثرها عشرات القتلى والجرحى، وانقسم المتظاهرون إلى معارضين للرئيس مادورو، وآخرين مؤيدين له، وأعلنت الولايات المتحدة دعمها للتحدى، لكن الأمر انتهى بسيطرة مادورو وحزب تشافيز، مع استمرار التدهور والحصار، الذى بلغ ذروته مع تولى الرئيس دونالد ترامب وإعادة القطبية والغزو والتدخل، والذى وصل إلى تنفيذ اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى نيويورك، مع اتهامات غير مقنعة تتعلق بالمخدرات أو الإرهاب، بينما بعض الإشارات تتجه إلى أن واشنطن تطمع فى النفط، حيث تمتلك فنزويلا احتياطيات نفطية مؤكدة تتجاوز 300 مليار برميل، وهو رقم يجعلها أكثر دول العالم من حيث الثروات النفطية القابلة للاستغلال، وخلال سنوات فرضت الإدارة الأمريكية قيودا على صادرات فنزويلا، وفرض حصار بحرى على ناقلاتها النفطية، وبعد عملية الغزو والاختطاف قال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إن واشنطن ستنخرط بقوة فى قطاع النفط الفنزويلى كجزء من خطتها لإعادة بناء هذا القطاع، ودفع شركات النفط الأمريكية الكبرى للاستثمار فيه.
وحسب تقرير الزميلة فاطمة شوقى فى «اليوم السابع» تشير التحليلات إلى أن التصعيد يشبه كثيرا العمليات العسكرية الأمريكية السابقة فى دول غنية بالنفط مثل العراق وليبيا، وأن تصريحات ترامب الصريحة حول النفط تجعل الهدف الحقيقى للعملية ليس محاربة فساد أو تهريب مخدرات، بل الاستيلاء على موارد الطاقة.
لكن اللافت أن ردود الأفعال من حلفاء فنزويلا لم تتجاوز الشجب والإدانة، حيث وصف السياسيون الروس الضربة بأنها غير قانونية وتهدف للهيمنة على الموارد، وتعيد التذكير بتدخلات مماثلة فى العراق عام 2003، التى قُدمت فى البداية بذريعة «أسلحة الدمار الشامل» ثم تبين أنها سخرت لاحقا لتحقيق أهداف استراتيجية وسيطرة على النفط.
كل من الصين وروسيا أدانتا الغزو، وهما اللتان تستوردان النفط الفنزويلى أو تشاركان فى تطوير حقوله، وقد أدانت كل منهما العملية الأمريكية واعتبرتها انتهاكا فاضحا للقانون الدولى، لكن الأمر لم يؤثر كثيرا، وبدا أن الولايات المتحدة لا تواجه إدانات باستثناء هجوم وانتقادات وتهديدات من زعماء أمريكا اللاتينية ومنهم الرئيس الكولومبى، لكن يظل ضعف فنزويلا وتحلل الدولة أحد الأسباب التى تشجع على الغزو، بصرف النظر عن أن الغزو استمرار لما يعتبر بلطجة أمريكية لها سوابق فى أمريكا اللاتينية، وأيضا فى العالم ما بعد خروج الاتحاد السوفيتى من الحرب الباردة.
وفى الداخل الأمريكى خرجت أصوات تعارض التدخل، وحذرت عضو الكونجرس الأمريكى مارجورى تايلور جرين، الرئيس دونالد ترامب، بعدة مهاجمة فنزويلا، وشككت فى الرواية التى قدمها ترامب، والتى تفيد بأن العمليات تهدف حصرا إلى مكافحة الإرهاب المرتبط بالمخدرات، مشيرة إلى أن 70 فى المئة من وفيات الجرعات الزائدة فى الولايات المتحدة تعود إلى مادة الفنتانيل التى دخلت البلاد عبر المكسيك.
وبعد اختطاف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو، على يد القوات العسكرية الأمريكية، تولت السلطة ديلسى رودريجيز، نائبة الرئيس التنفيذية التى اختارها مادورو، حيث قررت المحكمة العليا فى فنزويلا بتولّيها رئاسة الدولة بسبب «غياب مادورو القسرى باعتبار أن الدستور يسند إلى نائب الرئيس مهمة تولى صلاحيات الرئيس فى حالتى الغياب المؤقت أو المطلق»، ووصفت القاضية العملية العسكرية الأمريكية التى أسفرت عن اعتقال مادورو وزوجته بأنها «اختطاف» و«عدوان أجنبى».
وقبل ساعات من بيان المحكمة العليا، أدانت رودريجيز، فى رسالة متلفزة من كاراكاس، التحرك الأمريكى، ووصفت اعتقال مادورو وزوجته بأنه «اختطاف همجى غير قانونى وغير شرعى»، داعية مواطنيها إلى الخروج للدفاع عن بلادهم، ومؤكدة أنه «لا يوجد فى فنزويلا سوى رئيس واحد، واسمه نيكولاس مادورو موروس».
وانتشرت أنباء عن محاولات انقلاب، لكن تظل الأوضاع متوترة، مع مخاوف من تضاعف الانهيار الاقتصادى والفوضى، مع سيناريوهات لاتساع العنف، وسيناريوهات ما جرى فى العراق، خاصة مع انتشار المنظمات الإجرامية، مع إصرار أمريكا على إكمال السيناريو، وهو ما قد يفجر عنفا ضد المصالح الأمريكية، ويستقطب منظمات إرهابية أو إجرامية، وكل هذا مرهون بمدى استمرار السيطرة على الأمور، ورد فعل الشعب فى فنزويلا.

اليوم السابع