ويوضح: الميلاد يدعو للنظر إلى الأطفال المتألمين والمشرّدين حول العالم
لا يقدّم عيد الميلاد المجيد، في رؤية قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، مجرد ذكرى دينية تتكرر كل عام، بل يطرحه كحدث إنساني كوني، ورسالة متجددة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالله وبالآخر، ففى مقاله المنشور بصحيفة اليوم السابع، يضع البابا عيد الميلاد في سياقه الأعمق، باعتباره مدرسة متكاملة للمحبة، ورسالة خلاص تواجه عالمًا امتلأ بالصراعات، رغم ما بلغه من تقدم علمى وتقنى غير مسبوق.
التجسد الإلهى وبداية الخلاص من الداخل
ينطلق البابا تواضروس الثانى في تأمله من جوهر العيد: التجسد الإلهي، حين اقترب الله من الإنسان في صورة طفل وديع، ليعلن أن المحبة هى لغة السماء الأولى. فالميلاد، بحسب البابا، لم يكن هدفه تغيير مظهر العالم الخارجي فقط، بل تجديد الإنسان من الداخل، وبناء قلب متضع قادر على استقبال النور والسلام.
ويشير إلى مفارقة العصر الحديث، حيث يمتلك الإنسان العلم والقوة والإمكانات، لكنه يعاني فراغًا روحيًا عميقًا، لأن ما ينقص العالم ليس الموارد، بل المحبة. ومن هنا، يأتي الميلاد كرسالة إلهية تعيد توجيه البوصلة الإنسانية نحو الجوهر، لا المظهر.
الميلاد مدرسة للمحبة لا حدثًا عابرًا
يؤكد البابا أن الميلاد المجيد ليس لحظة منفصلة في التاريخ، بل مسيرة حب متكاملة، بدأت في قصد الله قبل الميلاد، وتجلّت في الاتضاع أثناء الميلاد، واستمرت بعده في رعاية الإنسان وخلاصه. ومن هذا المنطلق، يقدّم البابا قراءة إنسانية لقصة الميلاد، باعتبارها مدرسة عملية للمحبة، لا تُعلَّم بالكلمات، بل تُعاش في المواقف.

مقال قداسة البابا
الوفاء قبل الميلاد.. زيارة تصنع خلاصًا
يتوقف البابا عند لقاء السيدة العذراء مريم بأليصابات كنموذج راقٍ للوفاء، حيث لم تنغلق العذراء على سر التجسد، بل اندفعت بمحبة لخدمة أخرى تحتاج إلى السند. ويبرز هذا اللقاء قيمة المحبة التي لا تتمركز حول الذات، بل تتحرك بدافع المشاركة وتحمل الآخر.
كما يبرز وفاء أليصابات، التي استقبلت العذراء بفرح دون مقارنة أو غيرة، معترفة بعمل الله في حياة غيرها. ويقدّم البابا هذا المشهد كدعوة معاصرة لإحياء قيمة الوفاء داخل الأسرة والمجتمع.
العطاء فى المذود.. حين يتحول القليل إلى كثير
وفى مشهد المذود، يرى البابا تواضروس صورة عميقة للعطاء، حيث لم يولد المسيح فى قصر أو بيت غني، بل في مكان بسيط يخلو من مظاهر الراحة. إلا أن هذا الفقر الظاهرى، تحوّل إلى غنى روحى، لأن ما قُدّم كان محبة صادقة، لا إمكانيات وفيرة.
ويؤكد البابا أن المذود يعلّم الإنسان أن الخدمة لا تنتظر الكمال، وأن القليل حين يُقدَّم بمحبة يتحول إلى مساحة لحضور الله، داعيًا إلى تحويل بساطة الحياة اليومية إلى مذود يولد فيه المسيح من جديد.
الاجتهاد بعد الميلاد.. رحلة المجوس نحو الحقيقة
ينتقل البابا إلى ما بعد الميلاد، متوقفًا عند قصة المجوس، باعتبارها نموذجًا لمحبة المعرفة والاجتهاد في البحث عن الحق. فالمجوس، رغم اختلاف خلفياتهم الثقافية والدينية، لم يمنعهم ذلك من السعي وراء الحقيقة، وتحمل مشاق السفر، لأن الحب الحقيقي للمعرفة لا يعرف الكسل.
ويشير البابا إلى أن أعظم ما قدمه المجوس لم يكن هداياهم، بل قلوبهم الساجدة، ورحلة البحث التي قادتهم إلى اللقاء، مؤكدًا أن المعرفة حين تقترن بالمحبة تتحول إلى نور يهدي الإنسان.
مصر بعد الميلاد.. أرض الأمان والحماية
وفي أحد أبرز محاور المقال، يتوقف البابا عند الهروب إلى مصر، بوصفه صورة عميقة للمحبة بعد الميلاد، حيث تحولت مصر إلى ملجأ آمن للعائلة المقدسة. ويؤكد أن مصر لم تستقبل الطفل الإلهي بسيف أو قوة، بل بقلب مفتوح، لتصير أرضًا للحماية والرحمة.
ويرى البابا أن هذا الحدث يمنح مصر بعدًا روحيًا وإنسانيًا خالدًا، ويجعل من استقبال الضعفاء مسؤولية أخلاقية متجددة، في عالم يشهد تشريد الملايين بسبب الحروب والصراعات.
رسالة معاصرة للعالم المضطرب
ولا يتوقف المقال عند التأمل التاريخي، بل يوجّه دعوة مباشرة لضمير الإنسانية، للنظر إلى الأطفال المتألمين والمشرّدين حول العالم، مؤكدًا أن الميلاد يدعو إلى محبة عملية تُترجم إلى حماية ورعاية واحتواء.
ختام برسالة وطنية وإنسانية
وفي ختام مقاله، يوجّه البابا تواضروس الشكر للرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيدًا بمشاركته المصريين فرحة العيد، ومؤكدًا أن هذه اللفتة تعكس وحدة النسيج الوطني، كما يثمن جهود الدولة المصرية في دعم السلام، داعيًا إلى أن تظل المحبة والسلام شعار الإنسانية.