شاع استخدام الزرنيخ كسم قاتل خلال الحقبة الزمنية التى عاش بها نابليون بونابرت ومنذ العصور الوسطى في أوروبا تحديدا، بسبب أنه لم يكن قابلا للكشف بحال تم دسه بكميات ضئيلة على فترة طويلة من الزمن.
وسم الزرنيخ هو عنصر معدني طبيعي شديد السمية، يسبب التسمم عند التعرض لكميات كبيرة منه عن طريق الابتلاع أو الاستنشاق، ويشتهر تاريخيًا بأنه "سم الملوك" لعدم وجود لون أو طعم مميز له، ويؤدي للوفاة إذا لم يعالج، وتظهر أعراضه الحادة كالغثيان والقيء والإسهال، بينما يسبب التعرض طويل الأمد مشاكل مزمنة مثل السرطان وآفات الجلد.
هل مات نابليون بونابرت بالزرنيخ؟
جاء في مذكرات خادم نابليون بونابرت "لويس مارشان" وصف كامل للشهور الأخيرة من حياة نابليون بونابرت وقد أدى وصفه لنابليون فى تلك الفترة إلى جعل خبير السموم السويدى "ستين فروشوفود" يضع نظريات أخرى حول كيفية موت القائد الفرنسى، ومنها التسميم المتعمد بالزرنيخ، وذلك فى مقال له فى نشرة الطبيعة العلمية سنة 1961.
وكتب "فروشوفود" فى مؤلف له ولزميله "بن ويدر" سنة 1978، أن جسد الإمبرطور الفرنسى ظل سليما إلى بعد عشرين عاما من وفاته، وهذه إحدى خصائص الزرنيخ، أى الحفاظ على الأنسجة الحيوية، فضلا عن اكتشاف الزميلين أن نابليون، كان يعانى ظمأ شديدا فى أيامه الأخيرة، وأنه دائما ما حاول إرواء نفسه بشرب كمية كبيرة من شراب اللوز ذى نسبة مركبات السيانيد نفسها الموجودة فى حبات اللوز الناضجة، والتى تستخدم لإضفاء النكهة على المأكولات والمشروبات، وذكر أن معالجته منعت معدته من لفظ هذه المكونات الضارة.
اكتشافات ثقافية تتعلق بسم الزرنيخ
اكتشف أمناء المكتبات في مدينة ليدز البريطانية، كتابًا نادرًا مليئًا بسم قاتل، وذلك خلال عملهم على بحث عالمي عن النصوص السامة المخبأة على الرفوف في مكتبات جميع أنحاء العالم.
الكتاب الذى تم اكتشافه، ووجد فى مكتبة ليدز المركزية، هو كتاب "حديقتي الخاصة.. الكتاب السنوي لصغار البستاني" ونشرت هذه النسخة التى تم إيجادها في عام 1855، وتم وضعها بعيدًا عن أيدى زوار المكتبة.
وكشفت الأبحاث التي أجراها خبراء في المكتبة مؤخرًا، أن الكتاب الذي يبدو متواضعا يحتوي على كميات من الزرنيخ، والتي يمكن أن تكون قاتلة عند تناولها، والأهم من ذلك، أن النقش الموجود داخل الغلاف الأمامي للكتاب يُظهر أنه كان هدية قدمها والد الشابة كارولين جوت إليها، وهى واحدة من عائلات الصناعيين المشهورين في ليدز، في عام 1855، ظهر هذا الاكتشاف المذهل عندما بدأ كبير أمناء المكتبات ريان إسحاق في إجراء مراجع مرجعية لمجموعة المكتبة الضخمة من أجل قاعدة بيانات مشروع كتاب السموم.
نساء العصر الفيكتورى تناولن الزرنيخ كعلاج تجميلى
في الولايات المتحدة وأوروبا خلال العصر الفيكتوري كان الشحوب يمثل ذروة الموضة بين نساء العصر الفيكتوري، فكان الجلد الشاحب يشير إلى الطبقة الراقية، وفي أواخر القرن الثامن عشر، بدأت النساء الأثرياء في إضفاء طابع رومانسي على النحافة الشديدة والبشرة شبه الشفافة والخدود الوردية لأولئك الذين يعانون من هذا المرض، وهو ما بلغ ذروته في منتصف القرن التاسع عشر.
وكانت النساء يبتغين الحصول على بشرة شبحية بالفعل بالتعرض الطويل للزرنيخ ففي عام 1851، نشر طبيب سويسري تقريراً في إحدى المجلات الطبية عن "آكلي السموم"، وهي مجموعة من الناس في النمسا الحديثة كانوا يستهلكون الزرنيخ بشكل روتيني.
وزعم مؤلف التقرير أن الزرنيخ يمنحهم طاقة كبيرة، وعيوناً متألقة، وبشرة رائعة، لكنه لاحظ أنه بعد الاستخدام الطويل الأمد، ومن غير المستغرب أن "ينتهي الأمر بمعظم آكلي الزرنيخ إلى ضعف حتمي في الجسم".
وبدأت "رقائق البشرة" القائمة على الزرنيخ تغزو أرفف المتاجر؛ ووعدت رقائق البشرة الآمنة من الزرنيخ التي ابتكرها الدكتور جيمس بي كامبل بتخفيف البقع للحصول بشرة صافية ولذيذة"، وظلت تباع حتى وقت متأخر من القرن العشرين.
ويقال إن هذه الرقائق كانت تحتوي على جرعة منخفضة للغاية من السم، ولكن لأن الزرنيخ "الآمن" غير موجود، فقد كانت هذه الرقائق لا تزال قاتلة لبعض المستهلكين.
وحذر الأطباء الشرعيون من استخدامها، وكان هناك طبيب واحد على الأقل في سان فرانسيسكو يخشى أن يظل التسمم بالزرنيخ دون تشخيص لأن النساء أهملن إخبار أطبائهن بأنهن يتناولنه.