مها عبد القادر

الإمام الأكبر أحمد الطيب... قيادة فكرية ووطنية واعية

الأربعاء، 07 يناير 2026 05:20 ص


يبلغ فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، ثمانين عامًا، في لحظة فارقة من تاريخ المؤسسات الدينية والوطنية، وقد اقترنت هذه المسيرة الطويلة بعطاء علمي وفكري ووطني قيم، جعل من الأزهر الشريف في عهده مؤسسة تعليمية عريقة، وضميرًا للأمة، وركيزة لحفظ الدولة والمجتمع، وحصنًا للهوية، ومنارة لمواجهة العنف والتطرف وتبدل القيم.

ولقد جاء الإمام الأكبر أحمد الطيب من عمق الريف المصري الأصيل، متشربًا بقيم الاعتدال والتصوف الأزهري الوسطي، جامعًا بين الأصالة العلمية والانفتاح الواعي على العصر، ومنذ توليه مشيخة الأزهر عام 2010، حمل هم الأمة في مرحلة هي من أدق مراحل تاريخها، حيث تصاعدت موجات التطرف الديني، وتعرضت الدولة الوطنية لمحاولات التفكيك، واهتزت منظومة القيم، وتزايدت النزعات الطائفية والعنيفة. وفي خضم هذا المشهد المأزوم، وقف الأزهر بقيادة الإمام الطيب بجانب القيادة السياسية للدولة سدًّا منيعًا أمام الفوضى الفكرية والانحراف العقدي.

إن الدور الذي اضطلع به الأزهر الشريف في عهد الإمام الأكبر يعد نموذجًا راسخًا للمؤسسة الدينية الوطنية التي تضطلع بمسؤولية تاريخية في صون الدولة وحماية المجتمع، بوصف الدولة الوطنية الإطار الجامع الذي تُحفظ في ظله الأديان وتتحقق مقاصدها الكبرى، فقد كان موقف الأزهر واضحًا وحاسمًا في رفض الخلط بين العمل الدعوي والممارسة الحزبية، والتصدي لمحاولات توظيف الدين في الصراع السياسي، مؤكدًا أن الدولة المدنية ذات المرجعية الدستورية تتكامل مع جوهر الإسلام وتوفر الضمانة الحقيقية لحمايته من التسييس والاختطاف الأيديولوجي.

وأسهم الأزهر من خلال هذا الموقف الواعي، في ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، وتعزيز السلم المجتمعي، وحماية النسيج الوطني من مخاطر الانقسام الديني أو المذهبي، وما قد يترتب عليه من صراعات مدمرة، وبذلك، لم يقتصر دور الأزهر على حفظ الخطاب الديني الوسطي، فامتد ليشكل أحد أعمدة الاستقرار الوطني، وسندًا فكريًا وأخلاقيًا لمشروع الدولة التي تقوم على التعددية، وسيادة القانون، واحترام الدستور، بما يرسخ توازنًا دقيقًا بين الدين والدولة، ويحفظ للمجتمع، وحدته وأمنه الروحي والاجتماعي.

وشكل الأزهر الشريف دورًا محوريًا في مشروع بناء الإنسان، فهو الركيزة الأساسية لأي نهضة حقيقية ومستدامة، فقد أعاد الإمام الأكبر الاعتبار إلى مفهوم التربية الشاملة، بحيث تجمع بين تنمية العقل بالعلم والمعرفة، وتهذيب الروح بالقيم والأخلاق، وترسيخ الانتماء الديني والوطني، بما يحقق التوازن بين الهوية والانفتاح، وبين الأصالة ومتطلبات العصر، وبالتالي جاء الخطاب الأزهري المعاصر كمشروع فكري متكامل، يعمل على إحياء مقاصده وتحرير العقل من أسر الجمود والتقليد، وتحصين الوجدان من نزعات التطرف والغلو، وتنمية وعي نقدي رشيد قادر على التمييز بين جوهر الدين الصحيح وزيف الشعارات الأيديولوجية التي تتخفى خلفه، وبهذا الدور، أسهم الأزهر في إعداد إنسان واعٍ، منفتح، ومتوازن، قادر على التفاعل الإيجابي مع مجتمعه، والدفاع عن قيم الاعتدال، والمشاركة الفاعلة في بناء الدولة وحماية استقرارها الفكري والثقافي.

وأكد الأزهر الشريف، بقيادة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، على صعيد حفظ الهوية والقومية، أن الانتماء الوطني يتكامل مع الانتماء الديني، في إطار مقاصدي يضع حفظ الأوطان في صميم مقاصد الشريعة، فقد رسخ الخطاب الأزهري مبدأ أن حب الوطن قيمة شرعية وأخلاقية، وأن حمايته وصون استقراره واجب ديني ومسؤولية وطنية مشتركة.

وانطلاقًا من هذا الفهم المتوازن، جاء خطاب الأزهر داعمًا للهوية المصرية في بعدها التاريخي والحضاري، وللهوية العربية في إطارها الثقافي واللغوي، وللهوية الإسلامية في بعدها القيمي والإنساني، رافضًا في الوقت ذاته كل محاولات طمس الخصوصية الثقافية أو إذابتها في نماذج مستوردة، سواء ذات طابع تغريبي مفروض أو أيديولوجي متطرف، وقد مثل هذا التوازن الدقيق صمام أمان حقيقي للمجتمع المصري في مواجهة موجات الاستقطاب الحاد، ومنع الانزلاق نحو انقسامات الهوية المدمرة، بما أسهم في حماية وحدة المجتمع وتعزيز استقراره الثقافي والوطني.

وقد قدم الأزهر الشريف نموذجًا فريدًا في ترسيخ قيم المواطنة والتعايش، مؤكدًا على أن الاعتدال والحوار والتعايش ركائز رئيسة لرسالة الدين، فقد كان الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب من أوائل الداعين إلى تعزيز قيم الأخوة الإنسانية، بما يعكس رؤية مؤسسة تسعى إلى بناء مجتمع متماسك وقادر على التفاعل الإيجابي مع التنوع الثقافي والديني، وترجم هذا الالتزام عمليًا في وثيقة الأخوة الإنسانية التي تم توقيعها في أبوظبي عام 2019، والتي مثلت علامة فارقة في تاريخ الحوار بين الأديان.

وأكدت على أن الإنسان قيمة عليا، وأن التنوع سنة كونية، وأن التعايش بين البشر ضرورة حضارية وأساس لاستقرار المجتمعات وتقدمها، ويعكس هذا النهج الأزهري رؤية استراتيجية، تربط بين الهوية الدينية، والانتماء الوطني، والقيم الإنسانية العالمية، ليصبح الأزهر بذلك نموذجًا عمليًا في استخدام الفكر الديني لتعزيز السلم الاجتماعي، وحماية المجتمع من الانقسامات، والمساهمة في بناء عالم أكثر عدلاً وتسامحًا.

وشكل الأزهر الشريف ركيزة أساسية في مواجهة الإرهاب والعنف والتطرف، وهي المعركة التي خاضها الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب بفكر رائد وحكمة بالغة، فقد أدرك أن مكافحة الإرهاب تبدأ من الفكر، عبر كشف الجذور الأيديولوجية المنحرفة التي تتغذى على الجهل وسوء الفهم، ومن هذا المنطلق أطلق الأزهر مبادرات متعددة لتجديد الخطاب الديني، وأنشأ مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، ووجه علماءه إلى مخاطبة الشباب بلغتهم، وتفنيد الشبهات بالحجة والعقل، مع الالتزام بعدم التكفير أو الإقصاء، لتكون الرسالة دينية، وفكرية، وتربوية.

كما كان للأزهر دور توجيهي وتربوي بالغ الأهمية في مواجهة تبدل القيم وتآكل المنظومة الأخلاقية، فقد نبه الإمام الأكبر مرارًا إلى خطورة انفصال التقدم المادي عن القيم الأخلاقية، محذرًا من أن غياب الضمير يؤدي إلى انهيار الإنسان قبل انهيار العمران، ودعا إلى إعادة بناء منظومة القيم على أسس الرحمة والعدل والمسؤولية، مؤكدًا أن الدين أساس التقدم، والضامن لاستدامة الإنسانية، وحماية المجتمع من الانحراف الفكري والأخلاقي، وضمان استقرار الدولة على المدى الطويل.

إن بلوغ الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب ثمانين عامًا يشكل محطة وطنية وفكرية نستحضر فيها مسيرة رجلٍ حمل الأمانة في زمن العواصف، وحافظ على الأزهر الشريف من الانزلاق إلى معارك السياسة أو الانجرار وراء تيارات الغلو والتطرف، فظل الأزهر منارة للاعتدال، ومرجعية موثوقة، وصوتًا للحكمة في عالم مضطرب، وحارسًا للعقل الجمعي وضميرًا للأمة، ورمزًا للشجاعة الأخلاقية والرصانة الفكرية، ويظل عطاؤه شاهدًا حيًا على أن المؤسسات العريقة تحيا بتاريخها وبرجالها، وأن الأزهر سيبقى، ما دام هذا النهج حيًا، صمام أمان للدولة والمجتمع، وبوصلة تهدي الإنسان نحو الحق، والانتماء الصادق، والتوازن في الفكر والسلوك، مستمرًا في دوره كحامي للقيم الوطنية والدينية، ورافد أساسي لبناء مجتمع واعي ومستقر.

ــــــــــــــــــ

أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة