ابتكار رئة تتنفس على شريحة.. كيف تساعد فى علاج أمراض تنفسية صعبة

الأربعاء، 07 يناير 2026 06:00 ص
ابتكار رئة تتنفس على شريحة.. كيف تساعد فى علاج أمراض تنفسية صعبة الرئة

كتبت: مروة محمود الياس

في إنجاز علمي يعيد تعريف مستقبل الطب التنفسي، تمكن باحثون من معهد فرانسيس كريك في لندن من ابتكار نموذج مصغر للرئة البشرية يمكنه التنفس، التفاعل، والاستجابة للعدوى كما تفعل الرئة الحقيقية.

يهدف هذا الابتكار إلى كشف أسرار المراحل المبكرة من الأمراض التنفسية مثل السل، وفهم اختلاف استجابة كل إنسان للعدوى والعلاج على نحو فردي غير مسبوق.وفقًا لتقرير نشره موقع The Francis Crick Institute، استطاع الفريق البحثي بقيادة العالم ماكسيميليانو غوتييريز تطوير ما يُعرف بـ«الرئة على شريحة» باستخدام خلايا جذعية بشرية متعددة القدرات، جُمعت جميعها من شخص واحد فقط.

هذا يعني أن الخلايا المستخدمة متطابقة وراثيًا، ما يتيح للعلماء مراقبة كيفية تفاعل خلايا الرئة والمناعة لدى الفرد ذاته مع العدوى، بعيدًا عن تأثير الاختلافات الجينية التي تربك التجارب التقليدية.

 

الرئة المصغرة… مختبر

الفكرة الجوهرية خلف التقنية تعتمد على محاكاة الحويصلات الهوائية، وهي الوحدات الدقيقة المسئولة عن تبادل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون داخل الرئتين.استخدم الباحثون الخلايا الجذعية لتوليد نوعين من الخلايا الطلائية السنخية (النوع الأول والثاني)، إضافة إلى خلايا بطانية وعائية تشكل الحاجز الفاصل بين الهواء والدم.

زُرعت هذه الخلايا على طبقتين متقابلتين من غشاء فائق الرقة داخل جهاز دقيق صممته إحدى الشركات بحيث يحاكي التركيب الفسيولوجي الدقيق للرئة البشرية.ولم يقتصر الأمر على البنية فقط؛ إذ أضاف العلماء قوة تمدد وانقباض ثلاثية الأبعاد تُطبَّق بإيقاع منتظم لمحاكاة حركة التنفس، مما حفّز الخلايا على تكوين نتوءات مجهرية تُعرف بالـ“microvilli”، وهي المسئولة عن زيادة مساحة السطح لتحسين وظيفة الرئة.

بهذه الطريقة، تحولت الشريحة إلى «نظام حي» قادر على التنفس والتفاعل تمامًا كالرئة داخل الجسم.

 

محاكاة العدوى لحظة بلحظة

من أجل فهم كيف تبدأ العدوى فعليًا داخل الرئة، أضاف الباحثون إلى الشريحة خلايا مناعية بلعمية اشتُقت من الخلايا الجذعية ذاتها، لتكون خط الدفاع الأول ضد البكتيريا.


عندما تعرّضت هذه الرئة المصغّرة لبكتيريا المتفطرة السلية، وهي المسبب الرئيسي لمرض السل، تشكّلت بسرعة مجموعات من الخلايا البلعمية التي بدأت تهاجم العدوى.لكن المدهش أن الباحثين لاحظوا بعد خمسة أيام فقط تكوّن ما يشبه “الحبيبات الدموية” أو الـ“Granulomas” التي تضم خلايا ميتة في الوسط محاطة بخلايا حية تقاوم العدوى، وهو المشهد الذي يميز المراحل الأولى من إصابة الرئة بالسل عند الإنسان.


هذا التطور سمح بفهم «الفترة الصامتة» من العدوى، أي المرحلة التي تسبق ظهور الأعراض السريرية، والتي لم يكن بالإمكان رصدها من قبل في أي نموذج حيواني أو بشري.

 

نموذج يخاطب الطب الشخصي

تكمن أهمية هذا الابتكار في أنه يُعد خطوة عملاقة نحو الطب الدقيق أو الطب الشخصي، حيث يمكن تصميم رئة مصغرة من خلايا مريض محدد لدراسة تفاعله الجيني والمناعي تجاه العدوى أو الأدوية.صرّح الباحث جاكسون لوك، أحد المشاركين في الدراسة، أن الفريق تمكن من تعديل جين يُعرف بـATG14 المسئول عن عملية التخلص من الخلايا التالفة.


وعندما أُزيل هذا الجين من الخلايا، أصبحت الخلايا البلعمية أكثر عرضة للموت المبكر وأكثر شراهة لابتلاع البكتيريا، ما أكد دور الجين في صمود الجهاز المناعي أمام العدوى.هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام تحديد المرضى الأكثر عرضة لتطور سريع لمرض السل، ووضع بروتوكولات علاجية مخصصة لهم.

 

بديل أخلاقي للتجارب على الحيوانات

تشير الخطة البحثية إلى أن «الرئة على شريحة» قد تصبح قريبًا بديلًا موثوقًا عن التجارب الحيوانية، التي طالما عانت من اختلافات بيولوجية كبيرة عن الإنسان.فالفأر مثلًا يملك تكوينًا مناعيًا وسلوكًا خلويًا يختلف جذريًا عن البشر، ما يجعل نتائج التجارب الحيوانية محدودة الدقة.

التقنية الجديدة تمنح الباحثين بيئة تحاكي الرئة البشرية على المستوى الجزيئي والخلوى، وتُعد بذلك أداة أخلاقية وعلمية أكثر موثوقية لتطوير الأدوية واختبار فعالية المضادات الحيوية الجديدة.

 

آفاق بحثية تتجاوز السل

رغم أن الدراسة ركزت على مرض السل كنموذج، إلا أن التطبيقات المستقبلية لهذه التكنولوجيا تمتد إلى أمراض تنفسية أخرى مثل الالتهاب الرئوي الفيروسي، وسرطان الرئة، والتليف الرئوي.
كما يمكن توظيفها لاختبار كيفية تفاعل المرضى ذوي الطفرات الجينية المختلفة مع العلاجات المستهدفة.

ويرى الباحثون أن الجمع بين الهندسة الحيوية والذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الناتجة من الشرائح قد يسمح خلال السنوات القادمة بإنشاء "رئة رقمية" يمكن من خلالها التنبؤ بتطور المرض واستجابة المريض قبل بدء العلاج.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة