ما حدث فى فنزويلا يعد درسا قويا لا يمكن أن يمر مرور الكرام، ويجب على الدول وشعوبها ومؤسساتها إخضاعه للدراسة والتدقيق والتحليل، ومعرفة مقدماته وملابساته والنتائج المترتبة عليه، ومن أبرز ما يجب التركيز عليه هو السيادة، وتكلفتها باهظة الثمن للحفاظ عليها، فما حدث فيلم «هوليوودى أكشن»، رئيس دولة كبرى قرر أن يحل مشاكل بلاده الاقتصادية وأزماتها المالية عن طريق السطو على مقدرات الشعوب الصغيرة، بالابتزاز والتهديد والوعيد ثم بانتهاك سيادة الدول عن طريق تنفيذ عمليات اختطاف رؤساء.
سيناريو الفيلم الأمريكى، اختطاف رئيس فنزويلا وحرمه ووضعه فى سجون نيويورك الخطيرة، وغير الأدمية، رِدة خطيرة لقانون الغاب، وضربة عنيفة للقوانين الدولية وقيم حقوق الإنسان، والمتاجرة بشعارات لا تطبق سوى على الضعفاء، لذلك قفز إلى صدارة المشهد الدولى بقيمة وأهمية الدول التى تمتلك جيوشا قوية متطورة قادرة على الردع والدفاع عن السيادة الوطنية ومقدرات شعوبها.
درس فنزويلا، ورغم قساوته، فإنه جرس تنبيهى صاخب للمغيبين، يقول إن الاستثمار فى الجيوش والأجهزة الأمنية لم يعد ترفا، وإنما فقه الضرورة، فالدولة التى لا تمتلك جيشا قويا قادرا على الردع والدفاع عن المقدرات وصيانة السيادة الوطنية، تصير كيانا هشا مهما امتلكت من موارد وثروات.
الجيوش القوية هى الضامن للسيادة والعامل الحاسم فى حماية الحدود ومنع فرض الإرادة الخارجية بالقوة، والتاريخ ماكر حاضر فى كل الأحداث، كاشفا أن ميزان القوى لا يقاس بالنوايا والوعود المعسولة ولا حتى بالمواثيق، وإنما يقاس بالقدرة الفعلية على الحماية والردع، والدليل أن الدول الكبرى تحافظ على قدرات جيوشها وتطورها بشكل دائم، القناعة بأن النوايا الحسنة لا تصنع سلاما ولا تحمى قانونا، عكس الدول التى سقطت سيادتها، نتيجة إنهاك وتفكك جيوشها، وغياب القدرة فى الدفاع عن السيادة.
وكلما تذكرت هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم نخبا وخبراء استراتيجيين وهم يهاجمون تسليح وإعداد الجيش المصرى، أُصاب بالدهشة، وأردد بينى وبين نفسى، لو لم يكن جيش مصر قوى فى ظل ما يحدث إقليميا ودوليا من فيضانات سياسية وزلازل عسكرية تمس أمن الدول وتهدد بقاء الخرائط، ماذا كان الحال الآن؟
القيادة السياسية المصرية كان لديها استشراف مدهش للمستقبل، وقررت الاستثمار فى جيش مصر، واعتبرته العمود الفقرى القادر على حماية السيادة الوطنية والحفاظ على مقدرات الشعب ودعم التنمية، إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن عقيدة الجيش المصرى تختلف بالكلية عن كل جيوش الأرض، عقيدة متفردة استثنائية، ليس من المنظور العسكرى فحسب، وإنما من منظور سياسى، استراتيجى، إذ تصنفه كل مراكز الدراسات الاستراتيجية والعسكرية الغربية بأنه الضامن الحقيقى لاستقرار إقليم الشرق الأوسط، ويمثل وزنا استراتيجيا لا يمكن أن تخطئه العين، أو تتجاوزه المشاعر، وأن السبب الجوهرى لهذا الوزن الثقيل وجود جيش قوى متماسك، صانع لمعادلات الردع فى المنطقة.
الأحداث الإقليمية والدولية متسارعة بشكل يفوق قدرات العقل على المتابعة والملاحقة، وتوحش مرعب لدول كبرى، تعيد مفاهيم القوة على أنها حق فى الابتزاز واغتصاب المقدرات وثروات الشعوب واعتبارها غنيمة، والحق فى اقتحام العواصم واختطاف رؤساء الدول أحياء وجرجرتهم للمحاكمة.
خطورة اختطاف الرئيس الفنزويلى لا يمكن توصيفها بالحادث العارض الفردى الاستثنائى، وإنما حادث قابل للاستنساخ، لأن منطق الاستثناء يغرى آخرين على ارتكاب نفس الشىء، وسيتحول الأمر إلى فوضى عالمية.
الولايات المتحدة الأمريكية ضليعة فى الاختطاف، فنتذكر ديسمبر 1989 عندما قررت غزو بنما، وأطاحت بمانويل نورييجا حاكم بنما الفعلى حينها، ونقلته لأراضيها وحاكمته.
وفعلت نفس الأمر فى العراق مع اختلاف أنها بعد الغزو فى 2003 لم تتمكن من اختطاف الرئيس صدام حسين، وإنما أقامت له محاكمة صورية ونُفذ فيه قرار الإعدام.
الشاهد من هذا السرد المبسط، هو التأكيد على أهمية وقيمة الجيوش القوية فى حماية السيادة الوطنية، وأن واقعة اختطاف الرئيس الفنزويلى ونقله لنيويورك تمهيدا لمحاكمته، دون تفويض أممى، يفتح الباب لاستنساخ الواقعة فى أماكن أخرى، وأن التصعيد ربما يمتد لتدخلات عسكرية أوسع.
ما ارتكبته أمريكا باختطاف رئيس دولة ذات سيادة، يعد ضربة قوية للقوانين والأعراف الدولية، لأن جوهر النظام الدولى يقوم على مبدأين رئيسيين، احترام السيادة وعدم استخدام القوة إلا وفق ضوابط صارمة.
وفى الأخير، صدق من دشن مقولة «الجيش قبل العيش».