عاد نتنياهو من الولايات المتحدة مثلما ذهب إليها تقريبا، لا حصّل مكسبا ظاهرا ولا قدم تنازلا اضطراريا؛ أقله فى الجانب المعلن من الزيارة ولقائه بترامب ومداولات الكواليس مع رموز إدارته.
وُضعت ملفات المنطقة فوق الطاولة، ويبدو أنها رُفعت على حالها بلا تغيير يُذكَر فى وضعها الراهن وترتيباتها المستقبلية. لا أُفق واضحا للانتقال من المرحلة الأولى للثانية فى اتفاق غزة.
الجبهة اللبنانية جمرة لا تتأجج ولا تبرد، وسوريا ترتضى بالقليل ولا تصل إليه، بينما يتواصل خطاب التصعيد فى تل أبيب تجاه إيران، بين ادعاء أنها ترمم قدراتها وقد توجه ضربة استباقية للدولة العبرية، واستعداد الأخيرة لجولة ثانية من الحرب المباشرة معها، بمفردها أو بالشراكة مع واشنطن.
يُعلّق رئيس حكومة الاحتلال ما تبقى من صفقة غزة على جثة وحيدة وسلاح حماس. وفى الأصل لا يريد أن يتزحزح عن مواضعه الحالية، وإن كان لا بد من الحلحلة فليس أكثر من تثبيت الخطوط المؤقتة، وإطلاق عملية الإعمار جزئيا فى المناطق الواقعة تحت سيطرته، على أن تظل الفصائل محصورة فى الجهة الغربية بين الخراب والجوع.
والهوى الأمريكى يهفو بالطبيعة إلى تفضيلات تل أبيب؛ لكن الوسطاء والضامنين لا يُقرّون بمقتضيات تلك العلاقة، وأخفقت كل محاولات ترويضهم طيلة الشهور الماضية؛ حتى كانت خطة البنود العشرين حلا وسيطا بين الانحياز والاعتدال، بما لا ينهى المسألة مرة واحدة لصالح أحد الطرفين، ولا يبقيها طويلا عند نقطة الصفر.
ويظل الاحتمال قائما بأن الإدارة الجمهورية تحتال على العقبات، وتُضمر خلاف ما تُظهر؛ إنما لا بديل لدى الساعين إلى تجاوز المأساة الغزية وإعادة تعويم القضية على موج السياسة لا طوفان النكبة، إلا أن يُحسنوا الظن ويسلكوا المسار المتاح إلى آخره.
وذلك؛ مع الإقرار بحقيقة أنه لا فائدة من الاختلاف والجدل على أكوام الركام، وليس أفضل من تحريك الجمود ليُبنَى على الشىء مقتضاه، ويتحرر القانونى فى المسألة من أسر الإنسانى. والعدو ماكر ولا تخفى عليه تبعات إلقاء القفازات ومغادرة الميدان، وما يترتب على ذلك من تدويل الجولة الراهنة من الصراع، ووضعه فى مواجهة مظلة دولية مُعزّزة بقرار أُممى، سيكون من آثارها الوقتية تحييد الآلة العسكرية جزئيا، وابتكار صيغة تنظيمية تشبه الدولة أو تُؤسس لها فى مدى قريب.
كانت عملية السابع من أكتوبر هدية على شوق ومشقة واحتياج؛ لكنها ليست أثمن الهدايا التى تلقتها حكومة اليمين المتطرفة من خصومها. وفى سيناريو بديل، ربما لم يكن الاشتباك ليتجاوز حدود القطاع، ولن يزيد ذلك من جُملة الخسائر التى يصعب حصرها اليوم.
الخطيئة الكبرى عندما قرر حسن نصر الله، أو اُملى عليه من الخارج، أن يُطلق «حرب الإسناد والمشاغلة» من جنوب لبنان؛ فأتاح للصهاينة أن يُغذّوا سردية الخطر الوجودى ويستدعوا خطط الحروب القيامية من الأدراج، وفتح لهم منفذا لتكسيح الحزب فى معاقله الحصينة، والقفز منها إلى سوريا ثم إيران نفسها. وما يصدق على ميليشيا الضاحية، يصح وإن بدرجة أقل من التأثير فى حق الحوثيين جنوبا على الساحل اليمنى.
ومهما كانت صفعة السنوار قاسية؛ فإنها كانت أقل من توسعة حلقة النار وفردها بامتداد الإقليم طولا وعرضا. وبمُجرّد قدح الزناد وتطاير الشرر تيسّر لنتنياهو أن يزيح غزة إلى الهامش، ويقتفى أثر بقية الجبهات، ولم يكن الغرض الوحيد أن يُجهز على حزام الممانَعة مرة وللأبد، لا سيما أنه لم يكن يعرف حدود قدرات الطرف الآخر، وما يمكن أن يتمادى فيه أو يرتدع عنه؛ لكن فائدته الكبرى تحققت بالازدحام وخلط الأوراق، لتعزيز موقفه وتماسك الجبهة الداخلية من حوله، واستدراج الحليف الأمريكى لمستوى يُلامس الانخراط المباشر.
والأهم على الإطلاق إرباك الجميع وتعطيل ملكة التفكير وحسن التدبير لديهم، بما يقودهم بالضرورة إلى ارتكاب الأخطاء والإصرار عليها، ويضمن له بالمبادأة أن يكون سباقا فى كثير من التفاصيل، وبالزخم أن تُغفَر خطاياه ويُرخى له ستار الاحتضان الغربى، ثم بتعدد الجبهات أن يظل قابضا على حبل غليظ يشد المنطقة من طرف؛ ولو تعقدت الأحوال واختلّت الحسابات وسُحبت من يديه بقية الأطراف.
يُحفّز ضبع الليكود خصومه ويُغريهم بالتجرّؤ عليه. يصطنع الحوادث ليقتنص الذريعة، ثم يُشبّك الخيوط ببعضها، ويُغرق الجميع فى التفاصيل بين الزخام وخلط الأوراق، وبعدما تتكاثف الأشجار وتتعانق أغصانها فى الغابة المُلفّقة، يقبض كل طرفٍ فيها على جانب من الصورة، ويقف العجوز الماكر وحده مُمسكًا بالخريطة الكاملة، مُلمًّا بكل تفاصيلها، ومُحتكرًا لآلية الانتقال من نقطة إلى نقطة، ووصل النقاط أو عزلها عن بعضها.
وتبدّى أثر تلك اللعبة بوضوح فى حرف الأنظار أو توجيهها إلى ما يريد بحسب هواه. ركّز فى الأسابيع الأولى على غزة تحت سقف الاستثمار فى فظاعات الطوفان، وحقه فى الثأر أو الدفاع عن النفس. وعندما تصاعدت وتيرة القتل وتحول رصيده الدائن إلى مَدين.
انتقل بثقله إلى الجبهة الشمالية مع الحزب، متدرجا من اغتيال صالح العارورى فى الضاحية إلى فؤاد شكر بعد حادثة قرية مجدل شمس الدرزية، وبينهما التحرش بإيران فى الشام عبر قصف القنصلية وتنفيذ اغتيالات وضربات نوعية، اقتضت من الجمهورية الإسلامية أن ترد بعدها بأيام؛ فغطّت بردها على اجتياح رفح جنوبى القطاع. وهكذا فى كل الجولات كان يسحر العيون فى ناحية، ليهوى بقبضته الثقيلة على غيرها.
فكأن شعار «وحدة الساحات» الذى بشّر به قاسم سليمانى واشتغل طويلا فى بنائه، قد صار عبئا على أصحابه ولعنة تلاحقهم، لأنه بدلا من أن يُوحّد القوى فى مواجهة جامعة متفق عليها، شبّك فتائل الاشتعال ببعضها ومكّن النار الإسرائيلية من زخفها البطىء بين الأهداف المرصودة، دون فسحة لوقفها بقطع الصلات الهشة، أو خطة لتوظيفها دعائيا وقد تحمل كل منها خطايا الآخر، وتشاركت جميعا فى تلويث المظلمة الوحيدة العادلة، أى قضية فلسطين عموما، وشقّها المشتعل حديثا فى القطاع.
عرف نتنياهو قيمة العطية التى منحته الممانعة إياها بكرم غبى، فحافظ عليها، ولم يتوقف عن استهلاك مسموحات الربط بين الميليشيات فى الخطاب، وتجزئتها فى الاتهامات والاستهداف. وعوّل بقوّة على آلية الإغراق وتكثيف النزاعات فى أوسع نطاق جغرافى ممكن، وأضيق حيز من الزمن.
وبفضل ذلك؛ صار يضرب فى لبنان بينما يتفاوض على غزة، والعكس، دون أن يختنق بالحصار فى ركن وحيد ليجد نفسه مضطرا لترشيد النار أو تقديم تنازلات ناعمة، ولا حتى المقايضة بين ساحتين ذهب إليهما من الطريق نفسها، وغادرهما عبر سكك شتّى. والفكرة بحذافيرها تكررت مع رأس المحور فى الهضبة الفارسية، وعند خاصرة الهلال الشيعى فى دمشق، وصولا إلى طوفه المستدق البعيد عند البحر الأحمر وباب المندب.
وبالكيفية ذاتها ذهب إلى فلوريدا فى سفرته الأخيرة. يُماطل فى صفقة غزة، ولا يتوقف عن خرق اتفاق وقف الأعمال العدائية مع الحزب فى لبنان، ودورياته وشغله الرمادى فى أعلى مستويات النشاط وراء الجولان السورى، ورسائل الترهيب والوعيد تتطاير من تل أبيب إلى طهران، وفوق كل ذلك استبق الرحلة باعترافه باستقلال إقليم «أرض الصومال» عند القرن الأفريقى وبحر العرب؛ ليضع عقبة جديدة فى طريق دول الاعتدال وضامنى اتفاق شرم الشيخ.
ولا يُستثنَى من ذلك أنه فتح قنوات اتصال مع المجلس الانتقالى الجنوبى فى اليمن، وترددت إشارات عن ترحيب قادته بالتطبيع ودخول الاتفاقات الإبراهيمية فى صفقة اعتراف شبيهة بالحالة الصومالية. وكثير من تلك التفاصيل، أو كلها، لا تضر الولايات المتحدة ولا تغضبها؛ لكنها ليست فى متسع يسمح لها بتفجير مزيد من البراكين، أو خلخلة التوازنات الإقليمية المختلة أصلا، فيما تركز وينصرف اهتمامها إلى بيئات وقضايا أبعد وأكثر أهمية وتقدما على لائحة أولوياتها.
وإذا كانت خطوة «صومالى لاند» تنطلق من حسابات جيوسياسية تسعى إلى وضع موطئ قدم فى خليج عدن؛ فليست بعيدة فى الوقت ذاته عن طموحات التهجير وتصفية القضية الفلسطينية. وحال اكتمال المخطط بفصل جنوب اليمين ستنزل بقدميها الاثنتين فى حلق البحر الأحمر، وتقطع شوطا طويلا على طريق إعادة ترسيم المنطقة التى وعد بها نتنياهو عقب الطوفان.
وكلها أدوات إغراق وإشغال كسابقاتها، قد تتم أو تتعطل؛ لكنها ليست مطلوبة لذاتها فى المدى المنظور على الأقل، إنما المهم فاعليتها فى خلط الأوراق واصطناع الفوضى، وهو ما يتوجب تعويضه من قنوات بديلة حال تعطّل المسارات الأصيلة.
ربما لهذا بادر زعيم الليكود بامتداح العملية الأمريكية فى فنزويلا، وهنأ ترامب بالهجمة غير القانونية التى اختُطف فيها الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. وقد لا يبدو فى الظاهر أنها مفيدة له بصورة مباشرة؛ لكنه أحد الرابحين منها على مستويات عدة: أولا لأن كاراكاس كانت وثيقة الصلة بإيران ومحورها فى السياسة والاقتصاد وسلاسل الإمداد، ولها مواقف صلبة مع القضية الفلسطينية.
كما أنها تُسوّغ له ضمنيا عمليات القرصنة الشبيهة فى خصوماته الإقليمية المفتوحة، وتزيد أهميتها على كل ذلك بأنها تشغل الرئيس الأمريكى وتصرف اهتمامه عن الموضوعات المثارة فى المنطقة، أو تعيد ترتيب أولوياته نوعيا وزمنيا، بما يقلص الضغوط على تل أبيب ويُرجئ بعد الالتزامات أو يسقطها تماما، فضلا عن أمثولة «رأس الذئب الطائر» التى قد تنعكس تأثيراتها على الحزب وحماس والجولانى والمرشد الأعلى فى خندقه العميق، لا سيما أن إيران تشهد تظاهرات متصاعدة دخلت أسبوعها الثانى، ولم يتباطأ سيد البيت الأبيض فى التعليق عليها، محذرا من التدخل حال التنكيل بالمتظاهرين.
الإغارة على الدولة اللاتينية مطلع الأسبوع الجارى فى عملية «العزم المطلق» من قبيل التنبيه على مطلق السراح بالضرب على يد المقيد. أى أن لها مستويين من الدلالة: الأولى مباشرة مع صاحبها، والثانية إيحائية لبقية المناوئين بأنهم قد يتعرضون للمصير ذاته إذا لم يُسلّموا للإرادة الأمريكية.
أثبت ترامب عمليا أنه لا يهدد فى الفراغ، وما زال الرجل المزاجى غير المتوقع، والقادر على الذهاب إلى أقصى حدود الخيارات الخشنة وغير المنطقية. ونظريا لا يبدو نتنياهو فى مأمن، وقد كثّف مُحلّلو الصحافة العبرية تحذيراتهم له من إغضاب الحليف الأكبر أو التصادم معه؛ لكنه يُعوّل على الصداقة والمصالح وجذرية العلاقة بين البلدين، وأنه فى أية مفاضلة مع الرؤوس الحامية فى المنطقة ستكون له الأفضلية، ولن يتجه ترامب لممارسة مزيد من الضغوط عليه؛ طالما أن هناك من يمكن حصاره وتقويض خياراته فى جبهات الاحتراب.
وبهذا؛ فإنه بالامتداح المتعجل يضيف نفسه إلى فرقة «دلتا»، ويُجيّر الأثر النفسى من عملية كاراكاس لحسابه، ويضيفها إلى عداد ملفات المزاحمة والإغراق، ويُعوّل عليها فى أن تتيح له هامشا للإبقاء على الجمر المتقد تحت الرماد فى فلسطين ولبنان وسوريا وعلى خط التحضير لرقصة نار جديدة مع إيران.
كان ترامب قد صرّح فى جلسة فلوريدا مع نتنياهو برغبته فى الانتقال بصفقة غزة، وبشّر بحدوث ذلك فى غضون أسبوعين، أى بحلول منتصف يناير الجارى. أمس الاثنين يُفترض أن وفدًا من سوريا التقى المفاوضين الإسرائيليين الجُدد فى باريس، للمرة السادسة فى جولات الحوار المباشرة، والأولى منذ توقفها قبل شهرين بأثر حِدّة الخلافات واستقالة وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر.
اجتماعات لجنة الميكانيزم تتواصل فى لبنان بعد توسعتها لتشمل مُكوّنا مدنيًّا، فيما يجتمع الكابينت فى تل أبيب الخميس المقبل للنظر بشأن آليات التعامل مع الحزب وموضوع حصرية السلاح. كل التفاصيل تتحرّك ببطء؛ إنما لا تخلو من إيجابية، وكلها تعود إلى ترتيبات سابقة على مفاجأة فنزويلا، وليس شرطًا أن تُقضى لشىء طالما أن الراعى الأمريكى يُركز على موضوع آخر.
وتتساوى الاحتمالات للأسف؛ بين أن يسعى ترامب لتحسين صورته بعد الهجمة غير القانونية، فيُدفّع اتفاق غزّة ويسوّى الخلافات العالقة فى الجنوبين اللبنانى والسورى، أو أن ينسحب بالكُلية وكامل اهتمامه إلى السيولة الحالية فى حديقته الخلفية، وخطط إدارة فنزويلا ووضع يده على نظامها ونفطها ومكامن ثرواتها.
وفى المقابل؛ لا تعرف سلطة الأمر الواقع فى دمشق مخرجا من مأزقها، ويناكف الحزب مع العهد فى تخليص الدولة من حبائل الدويلة، وتتعثر حماس بين الوطنى والفصائلى، وبما لا تلوح منه بارقة أمل بالنزول عن الشجرة، بينما تُطارد الميليشيات المناوئة لها ويطاردونها، وتواصل تقسيم المٌقسّم بحملات الإعدام الميدانية خارج القانون لخصومها تحت زعم التخابر والعمالة لصالح العدو، وقد يكون بعضه صحيحا؛ إنما لا دلالة على أن البعض منها لا يُخالطه الهوى.
استنفدت المُمانَعة فرص ترتيب أوراقها منذ اللحظة الأولى، وما عاد بمقدورها أن تتخلص من الأوراق الزائدة أو تتحلّل من تبعاتها. إيران تفاوض على نفسها بالحزب، والأخير له رابطة اعتقاد وولاء تمنعه من الكفر بالمحور والإيمان بالوطن.
سوريا ساحة فسيحة للاعبين من كل شكل ولون، وبعدما كانت عُقدة بما تُتيحه للجمهورية الإسلامية من منفذ على المتوسط، صارت خط التماس بين تل أبيب وأنقرة، فكأن بينهما حدودًا مباشرة للمرة الأولى فى التاريخ، خاصة أن سقوط الإمبراطورية العثمانية كان سابقًا على نشوء الدولة العبرية. والهامش الوحيد لدى الفصائل الغزية، وليس بالقطيعة مع الخارج بعدما صارت تفصيلاً هامشيا؛ إنما بالوصل مع الداخل وتلزيم القضايا والأصول الاستراتيجية للسلطة الشرعية، لا على سبيل التنازل أمام العدو؛ بل لحرمانه من ذريعة إضافية تمكّنه من المراوغة والإغراق.
يتظاهر الغاضبون فى خمس وعشرين من جُملة إحدى وثلاثين محافظة بالجمهورية الإسلامية، هاتفين صراحة ومن دون حرج: «لا غزة لا لبنان.. أرواحنا من أجل إيران»؛ ويتبقى أن يُلاقيهم الحزبيون والحماسيون بحسب المُقتضى فى كل حالة. يعرف نتنياهو أن الضاحية لم تعُد تشكل خطرا حقيقيا عليه، وليست أكثر من حجّة يتعلّل بها، وحماس خرجت من الجغرافيا والتاريخ وما عادت تنفع أو تضرّ، وكل شاغله الآن ينصرف إلى الهضبة الفارسية التى عاش يتحسّب لها ثم تجرأ عليها أخيرًا.
وما بين المُرشد الأعلى وسيد البيت الأبيض سيأخذ مداه تفاوضا وتصعيدًا، ويجب ألا تكون المنطقة طرفًا فيه، ويكفيها ما تكبّدته من مشروع تصدير الثورة وبناء جدران دفاعاتها المتقدمة. ميليشيات العراق تُفتّش عن مخرج فى السياسة، وبيروت إمّا أن تعوم بالحزب أو تغطس معه، وغزّة فى القاع منذ سنتين ولا رفاهية للبحث فى خيارات سوى الانتشال.
مادورو عنوان لمرحلة لن تكون ظالمة كسابقاتها؛ بل يغيب عنها العقل بأية درجة، ولا تُؤمَن فيها كُلفة المُغامرات واستمراء الرعونة والمقامرة على مصائر البلدان ومعاش أهلها. واستراتيجية الأمن القومى الأمريكى الجديدة إذا كانت افتُتِحت عمليا فى فنزويلا، فإنها تُبشّر فى الشرق بالتخفف من الأعباء، وإدارة الصراعات بدلاً من حلها، والتعويل على الاقتصاد لا السياسة، وكلها مفاتيح لحقبة ستتغير فيها الأوزان والتوازنات الجيوسياسية، ويُستَحسن دخولها من فترة النقاهة، لا من فراش المرض.
وأوّل التداوى أن تُسيّج الحدود بالأفكار الوطنية الصافية، لا بالأيديولوجيا أو الشعارات. غزة قضية العرب أخلاقيا؛ لكنها محنة أهلها واقعيا، وفلسطين كذلك، ولبنان وسوريا وغيرهما. اجتماع الضعفاء لا يزيدهم إلا ضعفا، والإغراق فى التفاصيل الساذجة دائمًا ما ينتهى إلى الغرق.