"مصر التى فى خاطرى وفى دمي " قصيدة أسطورية تغنت بها السيدة أم كلثوم من كلمات أمير الشعراء أحمد رامي وألحان المبدع رياض السنباطي و تعبر القصيدة عن تلك الحالة الفريدة من الإرتباط بين المصرى ووطنه؛ حيث لا ينظر المصري إلى مصر كبقعة جغرافية فحسب، بل ككيان حى يسكن الذاكرة ويجرى في العروق.
الحقيقة هذه القصيدة تمثل تشخيصا دقيقا بشكل ما عن علاقة المصري بوطنه ، تلك العلاقة المحيرة المتناقضة ..
هو يعشق مصر عشقا جنونيا ولا يتحمل عنها كلمة سوء واحدة من غير مصري ولكنه هو نفسه أحيانا ذلك الناقد القاسي لها وأوضاعها والشاعر بالظلم وعدم العدالة في داخلها.
مصر والمصريين علاقة لا تعرف غير الانتماء ، وطن يحتضن أبناءه ويمنحهم الأمن والأمان والاستقرار وشعب يرتبط ارتباطا وثيقا بالوطن والأرض، فى سبيله يقدم الغالى من أجل نهضته وتقدمه.
تحليلات مهمة من علماء الاجتماع تناولت علاقة المصريين بالوطن كانت كاشفة عن حالة انتماء فريدة تتجلى فى أسمى صورها، خلال الحقب التاريخية المختلفة يظهر معدن المصرى الأصيل فى اللحظات التى يكون الوطن فى أشد الحاجة لجهود أبنائه، وتظهر الجينات الأصيلة.
فمصر مرت عبر تاريخها العريق الذى يعود إلى عشرات الآلاف من السنين بمواقف وأزمات وتحديات جسام، وفى كل مرة كانت تعبرها بعزيمة أبنائها والانتماء القوى الذى يفرق بين مصالح الوطن والأجندات الخاصة.
وعند الأزمات تتداعى إلى ذاكرة المصريين القصص الملهمة التى تحكى للأجيال كيف تصدت مصر لكل المؤامرات التى كانت تخطط للنيل منها ومن عزيمة شعبها، فى كل مرة كان حائط الصد الأول هو إيمان الشعب بوطنه وعزته وإصراره على أن يضرب للعالم بأثره النموذج فى الولاء والقدوة فى الانتماء.
تجارب المصريين فى الحياة خارج مصر أيضا ترصد عن قرب مدى اللهفة والشوق والحنين الطاغى لتراب مصر ربم االمصريون في الغربة حالة خاصة ايضا من الانتماء للوطن غير بعض الجنسيات الاخري فالمصري لديه قناعة إنه مهما تطول سنوات الغربة وقد تمتد لكنها تبقى مرحلة وإقامة مؤقتة تنتظر لحظة العودة والاستقرار فى ربوع الوطن والدفن داخل تراب مصر في المنتهي.
السؤال لماذا كل هذا الارتباط بالأرض؟ هل هو الحنين ؟ أم نعمة الأمان أم ذكريات البدايات التى لا يمكن للعقل أن ينساها، الإجابة قد تكون كل هذه العوامل مجتمعة أو بعضها، و سر العلاقة بين المصرى وأرضه ناتج عن شعور طبيعى بنعمة الأمان والقدرة على مواصلة الحياة تحت أى ظروف وبالطريقة الطبيعية حتى فى ظل التحديات الاقتصادية المتجددة التى تضرب العالم بأسره تبقى مصر وطنا سمحا يحتض أبناءه والمقيمين على أرضه بالرحابة الواسعة والتيسير، لا أحد يستطيع أن ينكر أن التحديات التى تضرب العالم بعيدة عن مصر فجميع دول العالم تمر بظروف ضاغطة وتختلف المعالجات من دولة إلى أخرى حسب قدراتها وإمكاناتها ووفق التدابير التى تتخذها ودرجة الوعى التى يتمتع بها شعبها،ومن حسن الطالع أن درجة الوعى العام لدى المواطن المصرى كبيرة واضحة تماما ويعبر عن ذلك بالمزيد من الانتماء للوطن والإخلاص له ببذل الجهد والرد علي محاولات بعض الخارجين التشكيك فى قدرة مصر على تخطى الصعاب ومواكبة تطورات العصر الحديث وهى دعوات لا تجد صدى.
فما يتحقق على أرض مصر عمل كبير وجهد غير مسبوق يمتد إلى جميع الأرض المصرية ويحقق فرص عمل ينتظرها الشباب الذى يطمح فى المستقبل الواعد.
نحن فى مرحلة مهمة من تاريخ مصر لاستكمال المشروعات القومية العملاقة التى تجرى على قدم وساق على الأرض المصرية تستهدف رخاء الأجيال الجديدة وتزرع الأمل فى النفوس بأن مسيرة التنمية تستمر وتخطط للمستقبل البعيد الذى يضمن الغد المشرق بالعمل والهمة والإنتاج وهذه الإنجازات هي الرد القوي علي حديث البعض عبر منصات التواصل الاجتماعى بالتشكيك فى الحقائق ونشر الشائعات فى زمن يتابع فيه كل مواطن عبر الصوت والصورة الحدث بتفاصيله ويتعايش معه فالمشروعات العملاقة على أرض مصر يراها بالعين كل مصرى وغير مصري .
وهنا نستدعي مجددا هذه العلاقة العاطفية الفريدة من بين مصر والمصريين ،
والعلاقة بين المصري ومصر علاقة مركبة ومحيرة، فهي مزيج من الحب العميق والولاء للأرض والتاريخ، مع شعور بالمرارة أو الإحباط أحيانًا بسبب تحديات الحياة اليومية، التناقضات السياسية، أو المشاكل الاقتصادية، وتتمثل هذه العلاقة في التمسك بالهوية المصرية، الصمود أمام الصعاب، وفي الوقت نفسه البحث عن فرص أفضل، وهي علاقة لا يمكن اختزالها في وصف واحد، تجمع بين الفخر بالماضي العظيم والتعلق بالمستقبل، والتحديات الراهنة.
وتتعدد جوانب هذه العلاقة المحيرة بين حب الوطن العميق وشعور بالانتماء والتاريخ المشترك، والفخر بالحضارة والتراث، واحترام الروح المصرية المتسامحة والصبورة ثم تحديات الواقع: ومواجهة صعوبات اقتصادية، بيروقراطية، ومشاكل اجتماعية تؤدي أحيانًا إلى الإحباط والرغبة في التغيير أو المغادرة.
هذا التناقض بالجمع بين التفاؤل المفرط والتشاؤم الحاد، وبين السخرية من الواقع والتمسك بالواقع، وبين الوطنية الصادقة والنقد اللاذع.
فمرونة وصمود من خلال القدرة على التكيف مع الظروف الصعبة، إيجاد حلول غير تقليدية، والاحتفاء باللحظات السعيدة رغم كل شيء والبحث عن الهوية: في صراع دائم بين الأصالة والمعاصرة، والتأثر بالتيارات العالمية مع الحفاظ على الجذور الثقافية.
باختصار، العلاقة هي "حب لا ينتهي" لكنه "حب نسبي علي طريقة المصري الخاصة " كل مصري يحب مصر ولكن بشكل مختلف ، علاقة معقدة تجمع بين العاطفة القوية والواقعية القاسية، تجعل المصري مرتبطًا بمصر بشكل لا ينفصم، ولكنه في الوقت نفسه يراها بعين الناقد والمحبط أحيانًا، والمحارب من أجل تحسينها
دائمًا كل حسب ظروفه واحتياجاته وربما مصالحه ايضا .
صحيح طرأت التغييرات القيمية علي شخصية المصريين فأصبح المقياس الاخلاقي ليس في أفضل حالاته عند البعض لاسباب عديدة داخلية وخارجية ، ولكن تبقي هذه العلاقة الخاصة التي تجمع المصري بمصر لا تتغير في أساسها .
في تقديري ستظل هذه العلاقة الرائعة المحيرة التي تجمع بين المصري ومصر قائمة بين عشق لا ينتهي ونقد لا يتوقف من اجل الإصلاح وان كان لابد من توجيهها في اتجاه صحيح وذلك يتطلب تعزيز مهارات الوعي ليكون النقد بناء وعاقل من أجل عيون مصر التي يحبها كل المصريين وغير المصريين.
تحيا مصر .