فى قلب الحى التجارى القديم بمدينة دمياط، بالقرب من أسواق الأرز والحواري الضيقة، يقف مسجد المعيني ككتلة حجرية شامخة تبدو من الخارج بسيطة الواجهة، لكنها تخفى وراء باب خشبى صغير عالمًا مملوكيًا كاملًا من الفسيفساء والأخشاب المنقوشة وحلقات العلم التى لم تنقطع إلا قليلًا عبر أكثر من سبعمائة عام.
تجمع المصادر التاريخية على أن مسجد المعيني شيده التاجر الدمياطي محمد بن معين سنة 710هـ/1310م فى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ليكون مسجدًا ومدرسة فى الوقت نفسه، واختار ابن معين موقعًا مميّزًا يطل مباشرة على فرع النيل، فشُيد الجامع قديمًا فوق قناطر مرتفعة ليتجاوز منسوب المياه، وما زال تحت المبنى حتى اليوم قبو وفراغ فسيح يذكر بهذه الحيلة الهندسية القديمة.
مسجد المعيني ودوره في تعليم أهل دمياط
ومنذ لحظة التأسيس ارتبط المسجد بوظيفتين أساسيتين، أداء الشعائر الدينية لأهالى دمياط، وتدريس العلوم الشرعية على المذاهب الأربعة، حتى صار قبلة لطلاب العلم من الدلتا وسائر الأقاليم فى العصر المملوكي.
يدخل الزائر من بوابة صغيرة يعلوها عقد بالمقرنصات البيضاء، كما تظهر الصور، ليفاجأ باتساع الصحن الداخلى وارتفاع الجدران، تخطيط المسجد مملوكي خالص، صحن مفتوح مبلط بالرخام والفسيفساء تتوسطه دائرة مزخرفة، تحيط به أربعة إيوانات أكبرها إيوان القبلة، ولكل منها سقف خشبى مزخرف بزخارف هندسية ونباتية دقيقة.
الجدران العليا تتخللها نوافذ بمشربيات خشبية تسمح بدخول الضوء فى خطوط رفيعة، بينما تتدلى ثريات نحاسية كبيرة من السقف الخشبى العالى، الصور الداخلية تظهر هذه الثريات القديمة محفوظة إلى اليوم، إلى جوار مراوح كهربائية حديثة وسماعات، فى مشهد يختلط فيه الأثرى بالمعاصر من دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
فى أحد أركان المسجد يقف منبر خشبى فريد، عمره نحو سبعمائة عام بحسب تقديرات الآثاريين، بزخارفه الدقيقة ومقرنصاته الخشبية وقبته الصغيرة التى تعلو رأس الخطيب، المنبر لم يطرأ عليه تغيير يذكر، وما زال يؤدي وظيفته كل جمعة، ليكون من أقدم المنابر العاملة فى مساجد الوجه البحري.
وتجاور المنبر "دكة المبلغ" الخشبية التى تكشفها الصور بوضوح، منصة مرتفعة ذات درابزين مخرم كانت تُستخدم قديمًا لترديد التكبير خلف الإمام وإسماع الصفوف البعيدة قبل ظهور مكبرات الصوت، لتظل شاهدًا حيًا على تطور أداء الصلاة داخل المساجد.
لا يقتصر تميز مسجد المعيني على عمارة الصحن والإيوانات، فالمصادر تشير إلى أنه استخدم مدرسة لتدريس المذاهب الإسلامية الأربعة، حيث خُصص لكل مذهب إيوان من الإيوانات، يتجمع فيه الطلاب حول شيخهم، ويتلقون الفقه والتفسير والحديث واللغة، لهذا ظل المسجد لقرون يُعرف بين أهالى دمياط بـ"بوابة العلم" أو مدرسة الفقهاء.
فى الداخل يوجد ضريح أحاطه المنشئ بمقصورة خشبية مصنوعة على طراز المشربيات العربية، يُرجح أنه لجده جمال الدين معين أو لأحد الصالحين من أسرته، كما تذكر بعض الروايات التى تشير إلى حضور السلطان الظاهر بيبرس وفاته وتجهيزه لمقامه، هذه المقصورة، بنقوشها وتكوينها الخشبى، تمنح المكان بعدًا صوفيًا واضحًا، إذ تحول المسجد مع مرور الوقت إلى مركز لحلقات الذكر وقراءة الأوراد، واستقبل متصوفة يقيمون فيه وينفق عليهم من أوقاف ابن معين الموقوفة على المسجد ومدرسته.
مع تغير مسارات النيل وحركة العمران المحيط، ومع الإهمال بدأت حالة مسجد المعيني تتراجع، فتآكلت بعض أحجاره وتضررت أجزاء من أسقفه الخشبية، وتوقفت المدرسة عن أداء دورها التعليمى، بل أُغلق المسجد فترات أمام المصلين.
فى عام 2007 انطلق مشروع شامل لترميم وتطوير المسجد، شمل تدعيم الأساسات والقبو السفلى، وتنظيف الأحجار، وترميم الفسيفساء، وصيانة الأسقف الخشبية والمنبر والمقصورة، مع تركيب نظم إنارة وصوت حديثة، وفى 2009 أعيد افتتاح المسجد رسميًا لاستقبال المصلين تحت إشراف وزارة الثقافة ووزارة الأوقاف.
الصور الحالية تكشف أثر هذه الترميمات، فالصحن يبدو نظيفًا واسعًا، والأرضيات الرخامية فى حالة جيدة، بينما تحافظ الجدران على طابعها المملوكي رغم ما يظهر بها من شروخ بسيطة وتآكل فى بعض الأحجار، تذكّر بأن المكان ما زال فى حاجة إلى متابعة مستمرة بحكم عمره الطويل.
من خارج المسجد، تبدو الواجهة اليوم محاطة بمحال تجارية وبسطات بسيطة، ولافتة خضراء تحمل اسم "مسجد المعينى" يستدل بها المارة فى الحى المزدحم، خلف هذا المشهد اليومى العادى، يختبئ تاريخ طويل؛ فهنا كان الطلاب يفدون من قرى الدلتا وسائر الأقاليم لتلقى العلم الشرعى، وهنا ظل أهل دمياط يحيون ليالى رمضان والمواسم الدينية، ويحتفلون بالمولد النبوى وليالى الموالد المحلية.

إحدي الايوانات الأربعة

إحدي جدران المسجد

الأرضية محلاه بالفسيفساء

الايوان الكبير ومنبر المسجد

الباب الخارجي لضريح المعيني

القبلة

المسجد من الخارج

المسجد من الداخل

باب الضريح من الداخل

جدران المسجد من الداخل

صحن المسجد

فن الصناعة الخشبية

مسجد المعيني بدمياط

مسجد المعيني

مسجد عل الطراز المملوكي

مشربية عمرها يتعدي 700 عام

ممر داخل المسجد

منبر المسجد

نجف من عمر المسجد

نوافذ مطله علي السوق