حين نذكر ميلاد السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، فإننا لا نستحضر حدثًا دينيًا خاصًا بإخوتنا المسيحيين فحسب، ولكن نستدعي قيمة إنسانية خالدة؛ نبيٌّ جاء بالسلام، وبُعث بالكلمة، ودعا إلى المحبة، فجعل من الرحمة شريعة، ومن التواضع طريقًا، ومن الإيمان جسرًا بين السماء والأرض.
هكذا علّمنا القرآن الكريم أن المسيح آيةٌ للناس ورحمة، وهكذا تعلّمت مصر، عبر تاريخها الطويل، أن الأديان حين تسكن القلوب الصافية، لا تتصادم… بل تتعانق.
من هنا تبدأ الحكاية المصرية؛ حكاية وطن لم يعرف يومًا معنى الفرقة، لأن وحدته الوطنية ليست شعارًا طارئًا، إنما جذور ضاربة في عمق التاريخ. فمنذ أن احتمى المصريون بالكنائس في وجه الغزاة، ووقف المسلمون دروعًا بشرية لحماية الأديرة، تشكّلت معادلة فريدة اسمها مصر؛ وطنٌ صاغ الهلال والصليب في نسيج واحد، وجعل من التنوع مصدر قوة لا موضع خلاف.
وما بين أجراس الكنائس وتكبيرات المآذن، ظلّ هذا الوطن شاهدًا على أن الإيمان، حين يكون خالصًا، يصنع السلام.
في قلب هذه اللحظة الروحية والوطنية، يطلّ قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، بوصفه أحد أبرز رموز الحكمة الدينية في زمن مضطرب. بابا المحبة والسلام، الذي لم يكتفِ بدوره الكنسي، بل وسّع الدائرة لتشمل الوطن كله، فكان صوته داعيًا للتهدئة، وكلمته جسرًا للحوار، وحضوره طمأنينةً في أوقات العواصف.
ومنذ اللحظة الأولى لتوليه الكرسي البابوي عام 2012، حسم قداسة البابا تواضروس الثاني اختياره مبكرًا؛ أن يكون الوطن في الصدارة، وأن تُقدَّم مصر على ما سواها، رافعًا شعار «وطن بلا كنائس.. خير من كنائس بلا وطن» ؛ فمضى على النهج ذاته الذي أرساه البابا شنودة الثالث، واضعًا إيمانه في خدمة الهوية المصرية، ومجددًا قناعة راسخة بأن مصر ليست مجرد وطن نعيش فوق أرضه، بل كيان يسكن الوجدان قبل الجغرافيا.
لم يكن البابا تواضروس يومًا رجل منصب، بقدر ما كان رجل رسالة؛ رسالة عنوانها أن الأوطان تُبنى بالمحبة، وأن الإيمان الحقيقي لا يعرف الكراهية، وأن مصر تتّسع للجميع.
ويكتمل المشهد، عامًا بعد عام، بحضورٍ يحمل دلالات لا تخطئها العين ولا يغفلها التاريخ؛ حرص فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي على المشاركة في قداس عيد الميلاد المجيد، في أكبر كاتدرائية بالشرق الأوسط، بالعاصمة الإدارية الجديدة.
هي لفتة تتجاوز البروتوكول، وتؤسس لمعنى أعمق: دولة تحترم مواطنيها جميعًا، ورئيس يترجم المواطنة إلى فعل، لا خطاب.
إنها رسالة إنسانية قبل أن تكون سياسية، وتاريخية قبل أن تكون آنية، مفادها أن مصر الحديثة تُبنى على الشراكة الكاملة، وعلى الاعتراف الصريح بأن قوة الوطن في تماسك نسيجه، لا في تشابه أديانه.
في عيد الميلاد المجيد، لا نهنئ إخوتنا المسيحيين فقط، بل نهنئ مصر..
مصر التي علّمت العالم أن المحبة أقوى من الفتن، وأن السلام ليس أمنية، بل ثقافة تُمارَس.
" المجدُ لله في الأعالي ، وعلى الأرض السلام ، وبالناس المسرّة " .