-
يؤكد: الوجود القبطى فى الأراضى المقدسة يواجه خطر التراجع
-
يوضح: تمييز مستمر ضد المسيحيين العرب والأعياد اليهودية أولوية دولية
فى القدس، حيث تختلط الأجراس بالدعاء، والفرح بالحذر، عاد عيد الميلاد المجيد هذا العام محمّلًا بمشاعر متناقضة. فبعد عامين من الغياب القسري للاحتفالات، عادت الزينة والألحان إلى الشوارع والساحات، لكن خلف الأضواء لا تزال جراح المسيحيين العرب مفتوحة.
وفي هذا الحوار الخاص، يفتح الراهب ثاؤفيلس الأورشليمي، سكرتير بطريركية الأقباط الأرثوذكس بالقدس، قلبه لـ«اليوم السابع»، كاشفًا تفاصيل ما يعيشه الأقباط خلال موسم الأعياد، بين الرجاء والمعاناة، وبين الاحتفال والتمييز.
كيف تصف أجواء عيد الميلاد هذا العام في القدس؟
هذا العام بدأت الأوضاع تعود تدريجيًا إلى طبيعتها، وعادت مظاهر الاحتفال بصورة واضحة، وذلك نتيجة قرار وقف إطلاق النار. الناس كانت في حاجة حقيقية إلى الفرح، وبعد عامين من غياب الاحتفالات، كان هناك تعطش كبير للعودة إلى الحياة الطبيعية، واستعادة الروح التي افتقدها الجميع لفترة طويلة.
كيف ترى دور مصر في الوصول إلى هذه الحالة من الاستقرار؟
مصر قامت بدور محوري وحاسم، فلا توجد دولة تدخلت بهذا الحجم في الوساطة، ولا دولة تحملت هذا القدر من الضغوط من أجل إنهاء الحرب. نحن ككنيسة، في كل الاجتماعات وعلى مختلف المستويات، نشيد بدور الرئيس عبد الفتاح السيسي، والقيادات المصرية، والمخابرات المصرية. وأنا شخصيًا أُعلن ذلك في أي مكان، حتى في اجتماعات الشرطة الداخلية هنا، لأن حالة الاستقرار الحالية ما كانت لتتحقق دون الدور المصري.
ماذا عن أوضاع الأقباط خلال الاحتفالات وتنظيم المواكب؟
هناك تنسيقات عالية جدًا فيما يخص مواكب الأقباط، خاصة خلال الانتقال من القدس إلى بيت لحم عبر حاجز قبة راحيل. تتولى السلطة الفلسطينية استقبالنا، وتكون الشرطة والجيش في انتظارنا لتأمين الموكب، وتسير الأمور بشكل منظم، لكن رغم ذلك، تبقى المضايقات موجودة على مستويات غير مباشرة.
كيف تظهر هذه المضايقات؟
ليست مضايقات معلنة أو مباشرة أو مرتبطة صراحة بعيد الميلاد، لكنها انتهاكات واضحة. على سبيل المثال، في مدينة الناصرة تم إلغاء احتفال إضاءة شجرة الميلاد دون سبب واضح، رغم أن هذا الاحتفال مجتمعى ويشارك فيه المسلم والمسيحي على حد سواء.
وماذا عن القدس نفسها؟
فى القدس، جرت إضاءة شجرة الميلاد فى منطقة باب الجديد، وكنت حاضرًا بنفسى، إلى جانب ممثلى الطوائف المختلفة، والحضور كان غير مسبوق بشهادة الجميع، وذلك نتيجة اشتياق الناس للفرحة بعد عامين من الغياب، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الجميع.
هل تستمر المضايقات خارج موسم الميلاد؟
نعم، ففى بعض الأعياد اليهودية يُمنع المسيحيون من دخول باب الخليل بالسيارات، رغم أنه المدخل الأساسى للبلدة القديمة، ويؤدي إلى كنيسة القيامة والمسجد الأقصى وحائط المبكى. هذا المنع يعرضنا لإهانات وضغوط، وأحيانًا يجعلنا غير قادرين على الوصول إلى منازلنا.
كيف تصف أوضاع المسيحيين العرب في الجامعات وسوق العمل؟
المسيحي مرفوض بشكل عام، خصوصًا إذا كان مسيحيًا عربيًا في الجامعات، والأعياد المسيحية غير معترف بها أكاديميًا، في حين تُمنح الأعياد اليهودية إجازات كاملة، وفى سوق العمل، بمجرد معرفة أن الشخص مسيحي عربي، تبدأ الصعوبات والعراقيل.
وماذا عن أوضاع الشباب؟
شبابنا يتمتعون بمستوى تعليمي عالٍ جدًا، ويتقنون عدة لغات، ويحصل كثيرون منهم على درجات علمية مثل الماجستير والدكتوراه، لكن رغم ذلك، فرصهم في العمل ضعيفة للغاية بسبب التمييز، وقد ارتفعت معدلات البطالة بشكل ملحوظ داخل المجتمع القبطي.
هل تختلف الأوضاع خلال عيد القيامة؟
للأسف، عيد القيامة يشهد انتهاكات أكبر فى سبت النور تحديدًا، تُفرض حواجز أمنية كثيفة، وتحدث اعتداءات واحتجازات. وأنا شخصيًا تعرضت للاعتداء رغم كوني سكرتير البطريركية، وهو أمر مؤلم للغاية ويعكس حجم المعاناة.
هل هناك خطر حقيقي يهدد الوجود المسيحي في الأراضي المقدسة؟
نعم، الخطر حقيقى، والأعداد تتضاءل بشكل واضح. بيت لحم، التي كانت تضم أكثر من 70% من المسيحيين، انخفضت فيها النسبة بشكل كبير نتيجة الضغوط والهجرة ورغم الادعاءات بزيادة أعداد المسيحيين داخل إسرائيل، فإن الواقع على الأرض مختلف تمامًا.
لماذا لا تحظى معاناة المسيحيين باهتمام دولي كافٍ؟
لأن المجتمع الدولي ينظر إلى الأمور من زاوية سياسية فقط، ولا يهتم بالقضايا الدينية. تخيل أن القاصد الرسولي للفاتيكان مُنع من دخول البلدة القديمة في سبت النور، ولم يحدث أي تحرك دولي يُذكر. هذا يوضح حجم التجاهل.
كيف تدعم الكنيسة أبناءها في ظل هذه الظروف؟
نركز بالأساس على الدعم النفسي والروحي، ونحاول بث الأمل في نفوس الناس. لكن على المستوى المادي، الكنيسة غير قادرة على تلبية كل الاحتياجات، خاصة مع توقف السياحة، التي تُعد المصدر الرئيسي لدخل الكنائس.
كيف تستعد الكنيسة لعيد الميلاد؟
الاستعدادات تمتد لثلاثة أيام رئيسية فى يوم 5 يناير تتم دخلة "أبونا الرئيس" واستلام مكان الإقامة فى كنيسة المهد، وفي 6 يناير تتم الدخلة الرسمية للمطران والموكب الكبير، أما فجر 7 يناير فيُقام قداس عيد الميلاد، يعقبه الاستعداد للرحيل، وبعد ذلك نستعد لعيد الغطاس يوم 19 يناير على نهر الأردن.
كيف تتم الترتيبات الأمنية خلال صلاة العيد؟
الترتيبات الأمنية لا يُعلن عنها مطلقًا، ولا يتم الكشف عن أسماء الشخصيات الرسمية التي تحضر، بسبب حساسية الموقف، فأحيانًا يحضر رئيس الوزراء، وأحيانًا رئيس الدولة، وأحيانًا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إلى جانب بعض الوزراء، لكن لا يوجد إعلان مسبق.
وكيف يتم إبلاغكم بالحضور الرسمي؟
يتم التنسيق معي بشكل مباشر، وأنا داخل الكنيسة، وتأتيني إخطارات سريعة أثناء الصلاة بأن شخصية معينة حضرت أو في الطريق، دون تفاصيل إضافية. في الوقت نفسه تكون الكنيسة مؤمّنة بالكامل من قبل السلطة الفلسطينية.
كيف تحاول الكنيسة الحفاظ على فرحة العيد لدى الأطفال والأسر؟
نبذل أقصى ما في وسعنا، لكن التحدي كبير، لأن المجتمع القبطي هنا مجتمع صغير جدًا، وبدأ يذوب وينصهر داخل مجتمعات وكنائس أخرى، حتى أصبح مهددًا بالاختفاء.
ماذا تقصد بذوبان المجتمع القبطي؟
قلة العدد جعلت الشباب والفتيات لا يجدون شركاء من نفس الطائفة، فزادت الزيجات المختلطة، ومع الوقت بدأت الهوية القبطية تتراجع، وهو خطر حقيقي يهدد الوجود القبطى كله.
كيف تتعامل الكنيسة مع هذا الواقع خلال العيد؟
في بيت لحم، يستقبل نيافة الأنبا الأسر والأطفال، ويحرص على تقديم الهدايا والدعم النفسي والمعايدات المالية. هذه أجواء نحاول الحفاظ عليها قدر الإمكان رغم قلة الإمكانيات.
وماذا عن القدس؟
ىي القدس، لا توجد احتفالات شعبية واسعة يوم 7 يناير كما في مصر. الاحتفال يكون محدودًا بين الرهبان، ثم تبدأ تبادلات التهاني بين الطوائف المختلفة بدءًا من 9 أو 10 يناير.
كيف تعيش عيد الميلاد على المستوى الشخصي؟
أنا جزء من المجتمع القبطي قبل أن أكون راعيًا، وأتلامس يوميًا مع احتياجات الناس وآلامهم، وهذا هو المحرك الأساسي لكثير من تصرفاتي.
ماذا يعني لك عيد الميلاد؟
عيد الميلاد بالنسبة لي هو عيد خلوة عندما أستطيع أن أفرح الناس، أو أساعدهم، أو أخفف عنهم بكلمة، أو أُسهم في حل مشكلة إنسانية، فهذا هو العيد الحقيقي.
ما أمنيتك في عيد الميلاد هذا العام؟
أتمنى من قلبي أن يستمر وقف إطلاق النار، وألا يكون وقفًا شكليًا أو مؤقتًا، وأن تكون هناك إرادة حقيقية للاستمرار فيه، لأن الشعب تأذى بما فيه الكفاية.