لم يعد الخلع مجرد مصطلح قانوني في أروقة محاكم الأسرة، بل أصبح ظاهرة تزداد يوما بعد يوم، حيث تتوافد زوجات يحملن ما تبقى من أمل على أبواب العدالة طلبا للخلاص من حياة زوجية لم تعد تحتمل، مشاهد تتكرر داخل قاعات المحاكم زوجة تبكي خوفاً من مستقبل غامض، أخرى منهكة من سنوات الخلاف، وثالثة تحمل طفلها وتردد أنها لم تعد قادرة على الصبر.
لكن خلف هذه الدعاوى، يقف أزواج يشعرون بأنهم خسروا المعركة قبل أن تبدأ، يقول البعض إنهم لم يخسروا زوجاتهم فقط، بل خسروا أيضا أموالهم، حقوقهم، وسمعتهم، فبينما ترى الزوجة في الخلع طوق نجاة ينهي علاقة غير قابلة للاستمرار، يراه الزوج فخا يبدأ بالتنازل وينتهي بخروجه خاسر بعد أن يضطر للدفع والملاحقة بنفقات لا حصر لها.
وهكذا يتحول القرار الذي كان يوماً حلا لإنقاذ الزوجات من الضياع، إلى معركة مالية وقانونية معقدة، يتداخل فيها الحب بالنصوص الشرعية، والعاطفة بالقانون، والحقوق بالمستندات، ليبقى السؤال الأهم: هل الخلع حماية للزوجة؟ أم بوابة لخسائر يدفع ثمنها الزوج؟
الخلع ورد المهر بين النص القانوني وواقع النزاعات الأسرية
أكد محمد سعيد خبير القانون الأسري والمحامي المتخصص في منازعات الأحوال الشخصية أن الخلع أصبح من أكثر الدعاوى شيوعا أمام محاكم الأسرة، خاصة في السنوات الأخيرة، لما يمنحه من مخرج للزوجة في حال استحالة العشرة بينها وبين زوجها، دون الحاجة لإثبات الضرر، غير أن هذا الحق يرتبط بمجموعة من الالتزامات المالية التي كثيرا ما تكون محور النزاع بين الطرفين، وعلى رأسها رد المهر مقدم الصداق.
متى تقبل دعوى الخلع؟
أوضح سعيد أن دعوى الخلع تقضي بها المحكمة متى أعلنت الزوجة صراحة أمام القاضي أنها تبغض الحياة مع زوجها ولا تستطيع الاستمرار معه، وتخشى ألا تقيم حدود الله وفي هذه الحالة لا تلزم الزوجة بإثبات الضرر، يصبح الخلع حقا قانونيا مقررا طالما استوفت شروطه، يصدر الحكم عادة خلال مدة أقصر من دعاوى الطلاق للضرر.
من الملزم برد المهر؟ وما الذي ترده الزوجة؟
بحسب سعيد المختص بقانون الأحوال الشخصية: الخلع لا يعفي الزوجة من الالتزامات المالية، فالزوجة ترد مقدم الصداق المهر النقدي الذي قبضته عند الزواج، و تتنازل عن مؤخر الصداق، نفقة العدة، نفقة المتعة، أما الزوج فيكون له الحق القانوني في المطالبة برد مقدم الصداق إذا أثبت أنه سدده بالفعل، ويشترط لتنفيذه أن يكون هناك حكم نهائي بالخلع.
ويشدد المختص على أن رد الشبكة يخضع لطبيعة الاتفاق بين الطرفين إذا كانت جزءا من المهر وجب ردها، وإذا كانت هدية، فلكل حالة ظروفها القضائية.
الاتفاقات قبل الزواج.. ما مدى قانونيتها؟
يشير سعيد إلى أن السنوات الأخيرة شهدت انتشارا واضحا لما يسمى اتفاقات ما قبل الزواج، والتي تتضمن التزامات مالية أو شروطا تخص الحياة الزوجية، مثل النفقة، المسكن، السيارة، أو ضمانات مالية معينة للزوجة، وهذه الاتفاقات تصبح ملزمة إذا كانت مكتوبة، موقعة، ومثبتة بشهود أو موثقة في الشهر العقاري، أما الاتفاقات الشفوية فتصبح محل نزاع صعب الإثبات ما لم يدعمها رسائل أو مستندات مكتوبة
طرق إثبات المهر أو الاتفاقات أمام القضاء
وفقا لرأي المختص، يمكن إثبات قيمة المهر أو الاتفاقات المرتبطة به عبر عقد الزواج الرسمي إذا تضمن المهر صراحة، إيصالات استلام نقدي أو تحويلات بنكية، شهود حضروا واقعة السداد أو الاتفاق، رسائل مكتوبة أو إلكترونية تثبت الالتزام، كما أن المحكمة تعتمد على القرائن والأدلة المادية، ولا تكتفي بالدعوى المجردة دون مستندات، والخلع ليس مجرد طلاق سريع، بل عملية قانونية دقيقة توازن بين حق الزوجة في إنهاء الزواج، وحق الزوج في استرداد ما دفع من مهر، مع احترام الاتفاقات التي أبرمت قبل الزواج.
ويختتم المختص رأيه قائلا: الوعي القانوني قبل الزواج أصبح ضرورة، فالاتفاقات المكتوبة لم تعد رفاهية، بل وسيلة لحماية الحقوق ومنع النزاعات التي تنتهي في ساحات القضاء.