ثمانون عامًا ليست رقمًا في سجلّ العمر، بل حصيلة مشروعٍ فكريٍّ متكامل، ومسيرة قيادةٍ علميّةٍ وأخلاقيّةٍ نادرة، جسّد فيها فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب معنى العالم الربّاني، والقائد المؤسسي، والضمير الحيّ للأمة.
نحتفي اليوم بعامٍ جديد في عمر الإمام الأكبر، ونحن في قطاع المعاهد الأزهريّة لا نحتفي بشخصٍ بقدر ما نحتفي بمنهجٍ، ولا نحتفي بعمرٍ بقدر ما نقف أمام تجربةٍ تاريخيّةٍ أعادت للأزهر توازنه بين الأصالة والفاعليّة، وبين الثبات والتجديد.
لقد قدّم الإمام الطيب نموذجًا قياديًا واضح المعالم:
ثوابت لا تُساوَم، وتجديد لا يُفرِّط، وانفتاح لا يُذيب الهويّة.
وهو النموذج الذي انعكس بوضوح على رؤية الأزهر التعليمية، فكان تطوير التعليم الأزهري في عهده تطويرًا واعيًا لا استنساخًا، وإصلاحًا مؤسسيًا لا تجميليًا.
وفي قطاع المعاهد الأزهريّة، لمسنا أثر هذه الرؤية في كل مفصل من مفاصل العمل:
في تحديث المناهج دون المساس بجوهرها، وفي بناء شخصية الطالب الأزهري بوصفه حامل علم ورسالة، لا مجرد متلقٍ للمعلومة، وفي إعادة الاعتبار للمعلم الأزهري كقائد تربوي، لا موظف أداء.
لقد آمن الإمام الأكبر — وما زال — أن التعليم هو خط الدفاع الأول عن وعي الأمة، وأن المعاهد الأزهريّة هي المصنع الحقيقي للعقل الوسطي، وأن أي إصلاح ديني لا يبدأ من التعليم، هو إصلاح مؤجل أو ناقص.
وما يميّز هذه المسيرة أنها لم تكن صاخبة، بل راسخة.
لم تعتمد على الشعارات، بل على التراكم.
ولم تراهن على اللحظة، بل على المستقبل.
ثمانون عامًا، كان فيها الإمام الأكبر صوت العقل في زمن الضجيج، وحارس المنهج في زمن السيولة، ومرجعًا علميًا حين تاهت البوصلات.
ثبت حين اهتزّ كثيرون، وصبر حين استعجل غيره، فاستحق أن يكون شيخًا للأزهر، وشيخًا للعلم، وشيخًا للموقف.
إننا في هذه المناسبة لا نقدّم تهنئة بروتوكولية، بل نُجدد العهد على أن تظل المعاهد الأزهريّة وفيّة للرؤية التي أرساها:
علمٌ منضبط، وفكرٌ منفتح، وانتماءٌ واعٍ، ورسالةٌ عالمية.
نسأل الله أن يمدّ في عمر فضيلة الإمام الأكبر، وأن يجزيه عن الأزهر والأمة خير الجزاء، وأن تبقى بصمته في التعليم الأزهري نبراسًا يهدي الأجيال القادمة.
وكل عام، وفضيلته بخير،
والأزهر بعلمه ثابت،
وبرسالته ماضٍ إلى المستقبل بثقة.
كاتب المقال رئيس قطاع المعاهد الأزهريّة