حين يصبح القرآن مشروعَ دولة، وتعود مصر إلى صوتها الذي علَّم الدنيا الخشوع هناك أعمالٌ تُشاهَد، وأعمالٌ تُتابَع، وهناك أعمالٌ ( نادرة ) تُحسّ، وبرنامج «دولة التلاوة» ينتمي إلى الصنف الأخير؛ ليس لأنه أُنتج بإتقان، ولا لأنه لاقى قبولًا جماهيريًا واسعًا فحسب ، بل لأنه جاء في موضعه التاريخي الصحيح ، وفي لحظة تحتاج فيها الأمة إلى أن تسمع القرآن كما ينبغي أن يُسمَع.
حين ترعى الدولة صوت القرآن :
إن أعظم ما في «دولة التلاوة» أنه لم يكن جهدًا فرديًا، ولا مبادرة موسمية، بل تعبيرًا صريحًا عن إرادة دولة واعية، تدرك أن القرآن الكريم ليس مجرد شعيرة، بل ركيزة وعي، وبناء هوية، وصمام أمان روحي وأخلاقي.
》 ومن هنا جاءت الرعاية الرسمية للمشروع، في إطار رؤية أشمل تؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من وعيه، وأن الدين حين يُقدَّم بعلم ووقار، يكون حصنًا لا عبئًا، وهو ما ينسجم مع توجهات الدولة المصرية في عهد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الداعمة للخطاب الديني الرشيد، والمواجهة للتطرف والتسطيح معًا.
●● الأزهر الشريف… المرجعية التي لا تُزاح :
》 لم يكن الأزهر الشريف حاضرًا في «دولة التلاوة» حضور الاسم،
بل حضور المنهج والميزان والضمير العلمي.
فالتلاوة هنا لم تُترك للأهواء، ولا للأذواق المجردة،
بل خضعت لمدرسةٍ عريقة ترى أن جمال الصوت لا ينفصل عن صحة الأداء، ولا عن فهم المعنى، ولا عن أدب المقام.
》 وهو ذات النهج الذي طالما عبّر عنه فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، حين قرر – بالمعنى – أن القرآن لا يُؤدَّى بالأصوات وحدها، بل بعقولٍ تفهمه، وقلوبٍ تتأدب في حضرته.
دار الإفتاء… الفهم الذي يحمي الجمال
□□ ويكتمل هذا البناء بحضور دار الإفتاء المصرية، بوصفها ركيزة للفهم المتوازن، الذي يحمي النص من الجمود، ويحمي الجمال من الابتذال.
》 ويعبّر عن هذا المسار سماحة فضيلة المفتي أ.د نظير عياد، حين يؤكد – بالمعنى – أن التلاوة ليست حُسن صوت فقط،
بل أمانة فهم، ومسؤولية أثر، ورسالة تُصلح قبل أن تُطرب.
وزارة الأوقاف والإعلام… حين يُحسن الاختيار :
لقد أدت وزارة الأوقاف المصرية دورها في صيانة المنهج وضبط الرسالة،
●● بينما قدّمت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية نموذجًا ناضجًا لإعلامٍ يدرك أن التعامل مع القرآن تشريف لا استثمار.
هنا لم يُستدعَ القرآن لملء فراغ، بل وُضع في موضعه الطبيعي: موضع القيادة الروحية والهيبة.
مصر… والتاريخ الذي يشهد :
وفي هذا المقام، لا يمكن تجاهل الحقيقة التي قالها الإمام الراحل محمد متولي الشعراوي، فاختصر بها دور مصر في جملة واحدة خالدة:
«مصر التي صدّرت علم الإسلام إلى الدنيا كلها،
صدّرته حتى إلى البلد التي نزل بها الإسلام»
ليست هذه عبارة فخر،
بل وصف دقيق لمسارٍ تاريخي،
يُفسّر لماذا كان لمصر دائمًا صوتٌ يُتّبع،
ولعلمائها مقام،
ولقرّائها أثر يتجاوز الحدود.
أثر يتجاوز الشاشة
كم من بيتٍ سكنه الخشوع،
وكم من قلبٍ هدأ،
وكم من طفلٍ أحبّ القرآن لأنه سمعه صحيحًا، جميلًا، مهيبًا.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لـ«دولة التلاوة»:
أنه لم يرفع صوته على الناس، بل أعاد ترتيب قلوبهم.
الخاتمة :
«دولة التلاوة» رسالة واضحة المعنى:
أن هذه الدولة تعرف قدر القرآن،
وأن الأزهر ما زال ميزان الاعتدال،
وأن مصر حين تعود إلى صوتها الأصيل… يُصغي العالم.
ما دام القرآن يُتلى في مصر بعلم الأزهر،
وبرعاية دولة واعية،
فإن هذا الوطن محفوظ،
وهذه الأمة بخير… بإذن الله.
.