قياتى عاشور

الجمعية": البنك الشعبي الذي يديره "الشرف" قبل المال

الإثنين، 05 يناير 2026 06:03 م


في الوقت الذي تنفق فيه المؤسسات المالية والبنوك الكبرى الملايين على أنظمة الحماية الإلكترونية، وتستعين بجيش من المحامين لصياغة العقود المعقدة لضمان حقوقها، تدور في حواري مصر ومكاتبها الحكومية وبيوتها منظومة اقتصادية موازية، يُتداول فيها مليارات الجنيهات شهرياً، لا يحكمها قانون، ولا تحرسها شرطة، ولا توثقها أختام النسر.. بل تحميها "كلمة شرف". أتحدث هنا عن ظاهرة "الجمعية".


من منظور علم الاجتماع، لا يمكننا اختزال "الجمعية" في كونها وسيلة تقليدية للادخار أو سد العجز المالي، بل هي في جوهرها أحد أعظم تجليات ما يُعرف أكاديمياً بـ "رأس المال الاجتماعي" (Social Capital). إنها بمثابة "ترمومتر" دقيق يقيس منسوب الثقة المتبقية في شرايين المجتمع. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف ينجح عشرة أشخاص أو عشرون -قد لا تجمعهم سوى زمالة عمل عابرة أو جيرة في حي شعبي- في اقتطاع جزء عزيز ومؤثر من رواتبهم الشهرية، وتسليمه ليدِ شخص واحد بانتظام دقيق، دون أن يطلب أحدهم توقيع إيصال أمانة؟


السر يكمن في "السمعة". في اقتصاد الجمعية، "وجهك" هو رصيدك البنكي الحقيقي، و"كلمتك" هي الضمان الوحيد. هنا، يلعب "الضبط الاجتماعي" دوراً يفوق في سطوته أي حكم قضائي؛ فالخوف من "الفضيحة" أو من اهتزاز الصورة أمام الجماعة هو الرادع الذي يمنع أي شخص من التلاعب. هذا النظام العفوي يعيد الاعتبار لقيم قديمة ظننا أنها اندثرت تحت وطأة المادية الحديثة؛ قيم التكافل، والالتزام الأدبي، والخوف على "اسم العيلة".


لكن الأمر لا يخلو من دلالات أخرى أعمق؛ فلجوء الطبقة المتوسطة والبسيطة لهذا النظام هو أيضاً رسالة عتاب صامتة للأنظمة البنكية الرسمية بجمودها وشروطها المجحفة. الناس يبحثون بالفطرة عن نظام "إنساني"، نظام يفهم أن "أم محمد" تحتاج القبض الأول لتجهيز ابنتها، وأن "الأستاذ حسين" يحتاج دوره العاجل لسداد مصاريف المدرسة، وأن التأخير ليوم واحد لا يستوجب غرامات وتهديدات، بل يستوجب "مراعاة للظروف". في الجمعية، نجد مرونة الروح المصرية التي تفتقدها برودة "السيستم" البنكي.


ورغم تسارع الزمن وظهور تطبيقات التكنولوجيا المالية (FinTech) التي تحاول "رقمنة" الجمعيات وتحويلها لبزنس حديث، تظل "الجمعية الدفترية" الورقية صامدة في كل مصلحة حكومية وبيت مصري. لماذا؟ لأننا لا نتبادل فيها الأموال فقط، بل نتبادل فيها الاطمئنان، ونجدد فيها العهد شهرياً بأننا ما زلنا "ناس لبعض"، وأن الثقة -رغم كل ما نمر به من ضغوط- لا تزال عملة صالحة للتداول في مصر المحروسة.


في نهاية المطاف، "الجمعية" ليست مجرد حل اقتصادي للأزمات، بل هي برهان حي على أن المجتمع المصري لا يزال يمتلك شبكة أمان اجتماعي نسجها الناس بأنفسهم، خيوطها "المودة" وعقدها "الثقة"، وهي شبكة عصية على التمزيق مهما كانت الظروف.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة