لم تتكشف تفاصيل العملية الكاملة بعد، وقد لا يحدث فى أى أجل منظور؛ لكن إنجازها كما لو كانت نزهة فى حديقة مفتوحة يراكم الشكوك وعلامات الاستفهام، خاصة أن الهدف لم يُؤخذ على حين غرّة؛ بل كان موضوعا على قائمة الاستهداف، وتلقى تحذيرات خفية ومعلنة، واستقر فى يقينه أنه مرصود ومقصود، وما يُناكف فى تقديمه ارتضاء قد يُنتزع منه بالغصب، بالضبط كما حدث فجر السبت بدرامية لا تقل تشويقا وانضباطا عن أفلام هوليوود.
لم تفقد الولايات المتحدة أى عنصر فى عملية الإنزال الجريئة لاختطاف نيكولاس مادورو من معقله الحصين. وإذ أشار الرئيس ترامب فى حديثه إلى بعض الإصابات؛ فقد أردف بأنه يُفترَض أن يكونوا بخير بعد ساعات من إتمام المهمة، ما يعنى أن الأمر لا يتجاوز بعض الخدوش والرضوض من أثر التدافع أو الحركة فى الظلام.
أى أنها هجمة نظيفة تماما، بما لا يتناسب مع طبيعتها وأجواء الاستعداد والاحتشاد السابقة عليها، ولا دلالة من وراء ذلك إلا أنها أُديرت مع المتنفذين فى الكواليس، قبل أن يتصدّى لها المقاتلون فى الميدان.
الإشارة الأهم أن الرئيس الفنزويلى سقط داخل دائرته الضيقة قبل أن يُسقطه الأمريكيون. وقد يعود الأمر هنا إلى سوء اختيار رجاله، أو أنه لم يكن الرجل المناسب من الأساس. والمسألة تتخطى بالتأكيد طبيعة النظام السياسى وحجم معارضته المدنية، إلى هشاشة طبقة الحكم على خلاف ما كانت تُبديه من صلابة ظاهرة.
وبينما يُفترض أن تكون الأيديولوجيا غراء يشد المؤسسات وقادتها إلى بعضهم؛ فقد تبدّى بالممارسة العملية أنها صارت قيدا على الدولة نفسها، للدرجة التى تتقدم فيها علاقة الرئيس مع الحليف الكوبى، على علاقته مع جيشه والمنظومة المكلفة بحمايته وضمان استتباب الأمن فى عموم البلاد.
والشقوق عديدة فى تلك النقطة، تتخذ أحيانا سمتا مغايرا كما فى تدشين ميليشيات مدنية شبه عسكرية وتسليحها، وتكون فجة ومكشوفة تماما بالاعتماد على عناصر أمنية أجنبية، ما يفتح الباب بالتبعية للانفصال النفسى والعاطفى بين المكونات النظامية، ويُسهّل ترويج أية روايات صلبة أو دعائية عن تفاوض مادورو على مخرج آمن له ولعائلته وأذرعه الاقتصادية، بغض النظر عن مصير بقية أطياف الحكومة والجنرالات من قادة الجيش وأفرعه الستة.
فكأنه بعدما تورط فى منازعة مع المعارضة بكل تياراتها المناوئة أو المتفقة معه فكريا، أحدث شرخا إضافيا وأشد استعصاء على الترميم مع حاضنته العضوية اللصيقة، وعزل نفسه عن الجميع كما لو كان مندوبا عن فكرة فوق وطنية، لا حاملا لقضية يمكن التلاقى معها أو الافتراق عنها من منطلقات داخلية خالصة.
حمل الرئيس إرث سلفه هوجو تشافيز بثقله وعداواته؛ من دون أكتافه العريضة وما كان له من وهج الكاريزما والتأسيس الأيديولوجى والقيادى العميق. امتلك الأول سيرة عسكرية قوية، ومعرفة عميقة بدولاب الدولة وتوازناته، وطبيعة الصراع التاريخى الأصيل والممتد على القارة اللاتينية وداخلها. قاد محاولة انقلاب فاشلة على حكم كارلوس بيريز فى 1992، سُجن بعدها لعامين، ثم أسس حركة الجمهورية الخامسة بعد خروجه، ملتصقا بالفقراء ومتحدثا باسمهم، إلى أن حملوه لسدّة الرئاسة من بوابة الديمقراطية بعد أربع سنوات فحسب.
أما الثانى فكان مُجرّد سائق حافلة لم يستكمل تعليمه، واكتفى بأصوله الفقيرة عن معرفة طبيعة الاقتصاد وديناميكيات الصراعات الطبقية؛ فلم يُقدم أعمالا مهمة تنفيذيا وعلى صعيد الإصلاحات النظرية على الأقل، كما لم يكن بارعا فى مخاطبة الجماهير، وتردت معه البلاد عما كانت عليه. حاز شرعية الخطيب المفوّه بأثر الالتصاق به، لا عن دُربة أو كفاءة، وتكبد أعباء خصوماته القديمة مضافا إليه ما استحدثه فى سنواته الطويلة، أو بالأحرى ما بدّده من رصيد الشعبية والعاطفة.
ونحن بالبديهة فى غنى عن القول إن كل ما سلف، وأضعافه مما نعلمه أو نعلمه، لا تجيز كلها أن يُطاح بالطريقة التى صحونا عليها قبل يومين، وطيّرت الشاشات الإخبارية جانبا من تفاصيلها ومادتها المصوّرة طوال الساعات الماضية.
وليس ذلك عن عصمة له من المساءلة بالتأكيد، ولا أنه كان رئيسا شرعيا أو حاكما مثاليا؛ إنما من باب أن القانون الدولى حجة عليه وعلى غيره، وما وُضِع إلا لينظم فوائض القوة فى غابة العالم المحترقة بعد حربه الثانية، بما يُحل القواعد النظامية بديلا عن القواعد العسكرية، ويردع الأقوياء عن اغتنام سانحة الضعف لدى خصومهم، حتى يتيسّر للضعفاء أن يُديروا صراعاتهم تحت سقف المقدرة والتناسب، ويتقوّوا بالتجربة والخطأ، لا باندفاعة السيل الهادر من وراء الحدود ليُغرق طرفا ويُعوّم الآخر، مع إبقاء المعادلة القديمة سائرة على رقاب الجميع، والتوازنات المختلة على حالها دون تكييف أو تقويم.
عبّر ترامب عن انبهاره بالعملية التى تابعها بالبث المباشر، مستعرضا جانبا من مقدماتها بالإغارة الاستباقية وإظلام أنحاء عديدة من العاصمة. وقدم وزيرا الخارجية والحرب ورئيس الأركان مزيدا من الإفادات بشأن خطوطها العريضة، بين التحضير لها لعدة أشهر سابقة، وإرجائها أربعة أيام تقريبا عن موعدها السابق فى ليلة رأس السنة بسبب أحوال الطقس، ومشاركة 150 طائرة متنوعة بين مقاتلات ومسيرات ومروحيات فى الاستطلاع والقصف والإنزال والإقلاع بالغنيمة الثمينة، وكل ذلك فى غضون أقل من 150 دقيقة فقط.
أما أهم المعلومات فترددت فى تقارير الصحافة الأمريكية، وعلى رأسها تجنيد عميل من الحلقة الرفيعة حول الرئيس لرصد تحركاته طوال شهور، وما أفاد به عن تنقله بين ثمانية مواقع فى العاصمة، جرت عملية التوقيف فى أحدها، دون حديث عن الاضطرار لاقتحام غيره، ما يعنى أنها كانت تتعقبه عن بيّنة، وسقطت فى صندوق بريده دون هامش للخطأ، وكما تصل المكاتبات المشمولة بعلم الوصول.
وأوثق المعلومات حتى الآن أنهم لم يتوصلوا إليه فى «قصر ميرافلوريس» الرئاسى، ولا فى البيت الكبير «لا كاسونا» مقر إقامة الرؤساء فى الدولة اللاتينية شاسعة المساحة على الساحل الشمالى للقارة. وقعت الهجمة على غالبا مجمع حصين فى إحدى القواعد العسكرية وسط العاصمة كاراكاس، ودخل غرفة شديدة الحماية والمراقبة، ومدعمة بأبواب فولاذية وألواح من الصلب المضاد للرصاص والقذائف.
وإذا كان الرئيس لا يثق فى ضباطه لدرجة أن يستقدم عناصر أمنية من الجزيرة المقابلة له على الكاريبى؛ فما من ضمانة لأن يكون المرتزقة أكثر إخلاصا من المواطنين، بل ربما تُعزز الاستعانة بهم حال الارتياب فى القيادة والانعزال عنها، واستسهال التضحية بها لإنقاذ الذات أو تحقيق منفعة شخصية؛ طالما لم يعُد الجميع يستشعرون أنهم جزء أصيل من البناء العضوى للمنظومة أو أولويات الفرد المهيمن على مفاتيحها.
وعليه؛ تتساوى الاحتمالات بين تسليمه من جنرالات المؤسسة العسكرية وحرس الرئاسة، أو اختراق جدار الحماية الأجنبى عبر عملية تجنيد نوعية لصالح الأمريكيين مباشرة، أو من بعض الفنزويليين بالوكالة، ولا يسهل الجزم هنا بالمسؤول عن تيسير عملية الاصطياد، كما لا يمكن فحص العملية وطنيا وقد استبق مادورو نفسه بإدخال عناصر خارجية على الغرفة السرية للحكم.
كانت الولايات المتحدة تضع خمسين مليون دولار على رأس غريمها، وقد يكون الرقم مغريا فى بلد تآكلت عملته ويختبر مستويات فادحة من الفقر، وشبكات عميقة ومتداخلة من الفساد وغسل الأموال والأنشطة الاقتصادية والتجارية غير المشروعة.
إنما تظل النجاة نفسها أثمن من كل عطيّة ممكنة، سواء بتجنيب المتعاونين بعيدا من احتمالات المساءلة، أو الإبقاء عليهم فى مواقعهم، وربما انتداب البديل الانتقالى أو الدائم من بينهم لاحقا.
وبطبيعة الظرف لن يُعلن الخائن عن نفسه؛ بل قد يتقدم صفوف الصاخبين والمتوعدين بالثبات والمقاومة، ضمن هامش متفق عليه للتغطية وتعويم الوكلاء بما يسمح لهم بالاستمرار فى المرحلة الجديدة؛ خاصة بعدما تكشفت النوايا الأمريكية بوضوح لا يقبل التأويل، راهنا على الأقل، وأنها أرادت الرأس وحدها ولا تخطط لتقطيع الأطراف أو التمثيل بالجثة كلها، طالما حافظ الباقون على مواقعهم فى إطار التنازلات المطلوبة، وبرهنوا عمليا على انخراطهم الإيجابى فى المشروع الجديد.
وذلك؛ بغض النظر عن خطابتهم الشعبوية التى لا تُترجَم أفعالا ملموسة، على المروحة الواسعة من التحدى إلى الاعتزال، وبينهما خيارات الرفض والمناكفة والتمرد على التسليم والرضوخ.
تحدث وزير الخارجية ماركو روبيو مع نائبة الرئيس، ديلسى رودريجز؛ ثم صرّح بأنها ترحب بالتعاون مع الولايات المتحدة، على خلاف تصريحاتها منذ اختطاف مادورو عن أنه الزعيم الوحيد ولن تكون فنزويلا تابعا أو لقمة سائغة.
بعد أقل من يوم أقر القسم الدستورى فى المحكمة العليا بتفويضها بمهام الرئاسة، من دون إعلان شغور المنصب رسميا حتى لا تُضطر للدعوة إلى انتخابات رئاسية فى غضون ثلاثين يوما.
وهنا لا أقصد التلميح إلى أنها الثقب المجهول فى جدار النظام؛ إنما أن ما تحقق معها ينطبق على كثيرين آخرين، وجميعهم كانوا شركاء للحاكم فى سياسته وقرارته التنفيذية، ولو كان الخلاف معه على تجارة المخدرات وتهديد أمن الجيران؛ فإنه لا يُنفذ إرادته بيده، ولا يمكن أن يكون المحيطون به بعيدين عن الشبهة أو الاتهام بالجُرم.
واختزال المنازعة فى الذات لا الموضوع؛ إنما تؤكد بجلاء أنها قضية ملفقة بالكلية، أو مجرد ذريعة جرى تضخيمها للقفز من فوق رأس مادورو إلى أهداف أكبر منه، وربما تتجاوز حدود فنزويلا الجغرافيا، وما تقدر عليه فى الحال أو يُحتَمل أن تتسبب فيه من مخاطر وتهديدات فى الاستقبال.
تنطوى عملية «العزم المطلق» على مفارقة سوداء؛ ذلك أن ترامب عبّر عن امتعاضه قبل أيام لمجرد أن أوكرانيا وجّهت طائرة مُسيّرة إلى أحد مقرات إقامة بوتين، واعتبرها خطوة اندفاعية تهدد مفاوضات وقف الحرب الجارية فى الفترة الأخيرة، وتتنافى مع القوانين والأعراف المعمول بها فى أزمنة الحرب، حتى لو كانت من بلد مُحتل ضد رأس القوة القائمة بالاحتلال.
وهذا الاتساق المبدئى الجميل انقلب إلى الضد تماما بالتفات البصر من أوراسيا إلى الكاريبى، رغم أن فنزويلا ليست فى حالة حرب معلنة رسميا مع الولايات المتحدة، وتتعرض لضربات متقطعة من جانبها فى مياهها الإقليمية، ووصلت العمليات إلى اليابسة قبل أيام.
والحصانة القانونية والعُرفية ثابتة لرجل كاراكاس كما لسيد موسكو، ولا يبدو عن عريضة الدعوى التى يحملها ترامب تنطوى على مثالب أكبر مما يرفعه زيلينسكى على الجانب الآخر. ويُضاف لذلك أن الاتهامات المعلنة بائسة فى بعضها، ومضحكة فى الكل؛ إذ لا تشكل المخدرات عملا إرهابيا أو خطرا داهما، ويمكن التحوّط منها بتشديد الإجراءات على الحدود والمنافذ الأمريكية، بدلا من تسييل الخرائط وتعريض الدول الهشة لهزّات قد لا تحتملها، ويمكن أن تترتب عليها تبعات أخطر وأكثر استعصاء على الاستدراك، لا سيما فى ظل الإحن الأيديولوجيا والصراعات العرقية ومستوى المعيشة وانتشار السلاح فى أيدى العوام.
ومن الغريب أن يُساق رئيس دولة للمحاكمة بتهمة حيازة أسلحة رشاشة أو التآمر لحيازتها؛ خصوصا أنه الفعل لم يُرتَكب على الأراضى الأمريكية، وأن رأس السلطة فى أى بلد يعيش داخل حزام من تلك البنادق، ولا يستخدمها بنفسه غالبا، ومُعتقلوه ومُشغّلوهم من كل المستويات قالوا إنه استجاب لعملية التوقيف دون أية مقاومة.
الخلاف الأكبر بشأن الهجوم والاختطاف ليس فى فنزويلا، بل على داخل الولايات المتحدة نفسها. كثيرون من أعضاء الكونجرس عبروا عن رفضهم للعملية، وتساءلوا عن الضرورة والتفويض وعدم إخطار مجلس الشيوخ مسبقا.
تيّار عريض من الأمريكيين اعتبروها خرقا للقانون الدولى، ووصفها البعض بما يُلامس حدود القرصنة والبلطجة غير المبررة على بلد مستقل؛ حتى مع إدانة مادورو والطعن فى شرعيته.
صحيح أن ترامب لديه من الوسائل القانونية ما يتجاوز به الاشتباك على موضوع الانفراد بالقرار، وتؤازره أغلبية فى المجلسين، بسيطة لكنها قادرة على تمرير الملف دون مساءلة أو أضرار؛ لكنه رغم ذلك لم يطرح الموضوع تحت لافتة الاستعجال الذى يُجيز له المبادرة ثم الإخطار لاحقا، وبدلا من الاعتناء بالتفسير أو التبرير ذهب وزير خارجيته إلى أنه القضية تخص وزارة العدل، وتدور بكاملها فى نطاق إنفاذ القانون بشأن دعاوى قضائية قائمة بحق مادورو أمام المحاكم الأمريكية، ودور الجيش لا يتجاوز المساندة للأجهزة الأمنية المكلفة بتوقيف المجرمين.
لكن هذا الطرح لا يخلو من استخفاف بالعقول، ويُولّد تساؤلات إضافية عن الولاية القضائية، وصلاحيات وزارة العدل وإداراتها والجهات الشُّرَطية، ومسار العمل خارج الحدود من خلال البوليس الدولى «الانتربول»، مع ما يقابل ذلك من اعتبارات الدبلوماسية وحصانة الرؤساء والمسؤولين رفيعى المستوى فى الدول الأخرى.
تقدّمت المخدرات على سائر العناوين إلى أن تحقّق المُراد؛ ثم تحدث ترامب صراحة عن وضع اليد على ثروات فنزويلا، وإدارتها بشكل مباشر خلال المرحلة الانتقالية، وأشار فى ذلك إلى روبيو وهيجسيث الواقفَين خلفه.
بحر من النفط يوازى خُمس احتياطى العالم، ومكامن مُقدّرة أو غير مُكتشفة من المعادن النادرة، وعُقدة استراتيجية وجيوسياسية شديدة الأهمية على ناصية القارة الجنوبية وحزام الكاريبى. والأهم أنها حلقة إمداد للصين، وقاعدة تُعوّل عليها روسيا، وشريك لإيران فى الاحتيال على العقوبات أو توفير موطئ قدم لها ولأذرعها الرديفة وأهمها حزب الله عند آخر العالم.
وتعقيم الدولة وإعادة تأهيل نظامها يوفّر له موردًا اقتصاديا عظيم الأهمية، ويُسرّع خطط احتواء بكين وقصقصة أجنحة موسكو، فضلا على تثبيت المحاور العريضة لاستراتيجية الأمن القومى المُحدّثة، وإطلاق طبعته المُنقّحة عن مبدأ مونرو ونسخته الثانية مع تيودور روزفلت؛ ليُؤمِّم نصف العالم الغربى، ويُقعّد لنظريته عن السلام من خلال القوّة تأسيسًا على طاقة الردع والترويض برأس الذئب الطائر.
والقارة إذ تنتقل بتسارعٍ ملحوظ إلى جانب اليمين؛ فإنه يُعوّل مُستقبلاً على أن تُلاقيها فنزويلا فى النهج نفسه. لكنه لا يتعجّل التحوّل الآن فى الغالب؛ انطلاقا من حاجته إلى محور اتزان تتجمّع عنده مفاصل الدولة المفككة، وكى لا يحرق الموالين له من تيارات المُعارضة المدنية سريعًا.
وبصيغة أدق؛ فإن الوجوه المُتصدّرة حاليا لا تبدو صالحة للمهمة، ويحتاج إلى مُهلة لانتقاء وتأهيل بُدلاء من الصفوف الدُنيا، وبصحائف بيضاء لا يتراكم على سطورها حِبر الأيديولوجيا والنزاعات العرقية وصخب الاستقلال والامبريالية الكلاسيكية أو المُعاد اختراعها بوجه جديد مُخادع.
وليس أدل على ذلك من موقف سيد البيت الأبيض عندما سُئل عن زعيمة المعارضة وحائزة جائزة نوبل، ماريا كورينا ماتشادو؛ فاستبعد أن تكون واجهة الإدارة فى المرحلة الانتقالية، وقال صراحة إنها «امرأة لطيفة للغاية؛ لكنها لا تحظى بالاحترام».
وبالمنطق ذاته؛ لم يتردد اسم الرئيس السابق للجمعية الوطنية/ برلمان فنزويلا، خوان جوايدو، الذى نصّب نفسه رئيسًا فى 2019 بعد سنة من الانتخابات الرئاسية التى جدّدت ولاية مادورو، ودعمته واشنطن وقتها؛ قبل أن يُعزَل وتحترق ورقته للأبد. وكذلك مُرشح المعارضة فى انتخابات 2024، إدموندو جونزاليس أوروتيّا، الذى قيل إنه كان مُتقدِّمًا وزُوِّرت نتائجه لصالح منافسه، وطرحت فرنسا اسمه مُرتكزًا للمرحلة الانتقالية؛ لكن الإدارة الأمريكية تجاهلت ذلك ولم تقترب منه أو سواه من ذات الدائرة.
وإذا كانت فى ذلك ثمّة إشارة جديرة بالتوقف؛ فأن الأمريكيين يعرفون أن الوجوه التى حُسِبَت على الغرب لا تصلح لخلافة مادورو بكل سوءاته، وستظل كُتلة صلبة من الشعب رافضين لهم، ومن الصعب تسويقهم أو إعادة تعويمهم تحت المظلّة الوطنية.
يختلف الجميع مع النظام؛ إنما ليس المقابل بالضرورة أن يتّفقوا على من عملوا ضدّه مع الخارج، أو كانوا يتحضّرون للحضور على صهوة الدبابات أو بإنزال مظلىٍّ من الطائرات الأمريكية.
لا أحد يحترم الطابور الخامس؛ حتى الذين يُشغّلونه وينتفعون من خدماته. ترامب يكره مادورو لأسبابه الخاصة قبل العامة، ولن يحترم مناوئيه الذين تجاوزوا شروط اللعبة السياسية، واستسهلوا الارتماء فى أحضان الخارج أو التعويل على قوى مُضادّة للدولة قبل نظام حكمها، وتلوك أحاديث الحقوق المُعلّقة منذ تأميم النفط، والولاية على الحديقة الخلفية، وتحريك البلدان والمجتمعات كيفما يعنّ لها ويُطابق مصالحها الخاصة.
لهذا؛ فالأرجح أن واشنطن لن تُسرّع عملية التحوّل الأيديولوجى وفى تركيبة السلطة، وقد تُبقى على الغلاف اليسارى الحالى لمُعادلة حال الاحتلال، وامتصاص الغضبة الشعبية، سواء باستيعاب قواعد النظام والغاضبين من الهجمة الأمريكية، أو أن يكونوا قربانا لتمرير الحقبة الجديدة بالاحتراق أمام المُحايدين وغير المُنحازين؛ باعتبارهم باعوا رئيسهم وتخلّوا عن مبادئهم، وعملوا مع الغُزاة بما يتنافى مع أدبياتهم وكل شعاراتهم القديم، وبهذا تضرب واشنطن عصفورين بحجر واحد: تُعيد تأهيل نسخة أكثر لُطفًا من اليسار كجسر نحو التحوّل، وتُبعده من المنافسة لاحقا، وتُجنّب اليمين كُلفة الاتهام بالعمالة أو الاستتباع للخارج.
أخطأ تشافيز فى تلزيم المسؤولية لمادورو، وتعثّر الأخير بين ثِقَل النموذج وخفّة البديل وعدم امتلاكه لرؤية أو مشروع. وخطيئته الأكبر أنه فوّت الإشارات فى وقتها، وضيّع مُهلة سنوات بايدن الأربع دون ترتيب البيت وإعادة تعويم النظام، ليعود له ترامب فى ولايته الثانية بعُقدة الولاية الأولى وثأرها المُعلّق، ومع وضع أكثر هشاشة وانعدامًا فى الخيارات.
يدفع الرئيس المخطوف فاتورة خطاياه بالتأكيد؛ لكنه يتكبّد فوقها فواتير آخرين فى الشرق والغرب؛ لعل أوّلهم سلفه الذى اكتفى بالكاريزما عن رشادة الحُكم، وبثقته فى التابعين عن كفاءتهم، وسلّم مليون كيلو مترا مربعا وما يزيد على ثلاثين مليون مواطن إلى سائق حافلة أرعن؛ فظل يتنقل بالبلد من حادث إلى آخر؛ ثم أطاحه أخيرًا من حالق؛ ليسقط كُتلة من الخردة فى مستودع رجل لا يحب شيئا قدر الربح، ولا يُجيد إلا البيع والشراء وإبرام الصفقات، ناعمة بنكهة عقود الإذعان كلما تيسّر له، وخشنة شديدة الوطأة؛ حالما يقتضى الأمر أو تنسدّ فى وجهه المنافذ.