استأنفت الجامعة المصرية الدراسة فى خريف سنة 1927، وكان الدكتور طه حسين الأستاذ بكلية الآداب، على موعد مع حدث كبير وقع بعد أن هدأت الأزمة داخل الجامعة حول كتابه «الشعر الجاهلى»، والتى تفجرت منذ تأليفه عام 1926.
كانت كلية الآداب وغيرها من الكليات الأخرى بالجامعة يترأسها أجنبى منذ أن صدر مرسوم بقانون بإنشائها، ووضع نظامها تحت اسم الجامعة المصرية يوم 11مارس 1922، وفقا للدكتور أحمد زكريا الشلق فى كتابه «طه حسين –جدل الفكر والسياسة»، مضيفا: «كانت السفارات الأجنبية ترى أن لها مصلحة فى أن يختار العمداء من بنى جلدتها، والإنجليز الذين يحتلون مصر يؤيدون ذلك، معتبرين أن مسؤوليتهم حماية مصالح هؤلاء الأجانب»، ومع بدء الدراسة فى خريف 1927، قرر أساتذة كلية الآداب أن يكسروا هذه القاعدة بانتخاب مصرى عميدا لكليتهم هو الدكتور طه حسين، ويؤكد «الشلق» أن اختيار طه حسين جاء «بعد أن بلغ مكانة مرموقة داخل الجامعة بإخلاصه وشخصيته المتفردة».
ويصف الدكتور محمد حسن الزيات، زوج ابنة طه حسين ووزير خارجية مصر عام 1973 هذه الخطوة، قائلا: «كان الأمر خطيرا، وتعيين طه حسين عميدا كان أمرا أشد خطرا»، ويضيف «الزيات» فى كتابه «ما بعد الأيام»: «السفارات الأجنبية ترغب فى الاحتفاظ بمناصب عمداء الكليات للأجانب، والإنجليز يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن حماية مصالح هؤلاء الأجانب، لكن الانتخابات تتم، وطه حسين ينتخب عميدا، وترفع النتيجة إلى وزير المعارف على الشمسى باشا».
يوضح «الشلق» حالة السياسية الحكومة وقتئذ، قائلا: «كانت مصر تحكمها وزارة ائتلاف من حزبى الوفد والأحرار الدستوريين، ولما كان الائتلاف بات ضعيفا، وكان وزير المعارف الوفدى على الشمسى يدرك ذلك، ويعلم ما سيكون عليه موقف الإنجليز، كما يدرك أن وزارة أغلبيتها من الوفدين لن تستريح لتعيين طه حسين عميدا لصلته وقتئذ بالدستوريين، لذلك استقبل طه وصارحه بما تواجهه الوزارة من حرج».
يكشف «الزيات» ما دار من مناقشات فى لقاء طه حسين والوزير على الشمسى باشا، قائلا: «قال الشمسى، إنه لا شك لديه هو شخصيا فى استحقاق طه حسين لمنصب العميد، ولكنه يصارحه بما تواجهه الحكومة من حرج، وطه حسين يرد بأنه لا يريد أن يسبب مشاكل للحكومة التى لا تنقصها المشاكل، وهو لا يريد قطعا أن يثير مشاكل لعلى الشمسى باشا الذى يذكر سابقة فضله، ويكن له أصدق التقدير، ولكنه يقول للوزير إن القاعدة التى تجرى عليها الحكومة، أو التى يجب أن تجرى عليها هى، ألا يشغل أجنبى فى عهد الاستقلال منصبا يمكن أن يشغله مصرى، فإذا كان هو يصلح للعمادة - كما يؤكد له الوزير - فلا بد إذن من أن يعين احتراما وتأكيدا لهذا المبدأ، ورفضا لتدخل السراي، ولتدخل الأجانب، واحتراما لنتائج انتخابات الأساتذة، ويجب لذلك أن يعين وأن يمارس عمله باعتباره عميدا مصريا للكلية المصرية».
بعد أن طرح طه حسين رأيه على الوزير، لم يتركه حائرا، وقدم اقتراحه لحل هذه الأزمة ، وحسب الزيات: «ابتسم ابتسامة خفيفة قائلا: سأجد لمعاليك المخرج من هذه المشكلة، إذا صدر قرار بتعيينى فسوف أتسلم عمل العميد، وأمضى بعض الأوراق، ثم أقدم لمعاليك استقالتى فى نفس اليوم فتقبلونها، وتعينون عميدا للكلية من يلينى فى نتيجة الانتخابات وهو من الأساتذة الأجانب».
وجد وزير المعارف هذا الحل مخرجا مناسبا، ويؤكد الزيات: « فى 4 يناير - مثل هذا اليوم - عام 1928 يصدر قرار الوزير بتعيين الأستاذ الدكتور طه حسين عميدا لكلية الآداب، ويذهب طه حسين إلى الكلية، ويدخل مكتب العميد، ويطلب أوراقا خاصة، برفع مرتبات بعض الإداريين ومعاونى الخدمة، تطبيقا لمنشور من إدارة الجامعة، فيمضيها، ثم يملى خطاب الاستقالة، ويقبلها الوزير، ويعين الأستاذ الفرنسى «مينشو» عميدا لكلية الآداب».
لم ينته الأمر عند هذا الحد، فحسب «الزيات»: «ينتظر طه حسين حتى يصدر قرار تعيين العميد الجديد فيملى الخطاب التالى إلى الوزير: حضرة صاحب المعالى وزير المعارف العمومية، الآن، وقد تم تعيين العميد لكلية الآداب، وانتهت هذه القصة التى لم أودها والتى لقيت منها من الألم الممض ما لم أستوجبه ولا أراه يلائم كرامتى، أتشرف بأن أرفع إلى معاليكم أصدق الشكر وأخلصه لما تفضلتم به على من عطف وثقة، وأنى أرجو من معاليكم أن تتفضلوا بنقلى إلى أى عمل علمى آخر فى غير كلية الآداب التى أصبحت أجد مشقة كبيرة فى البقاء فيها».
يؤكد الزيات، أنه فور أن تلقى وزير المعارف على الشمسى باشا هذا الخطاب، توجه إلى طه حسين يعاتبه، ويقنعه بالعدول عن طلبه، ويضيف الزيات: «كان العميد الفرنسى منيشو غائب عن مصر فى الوقت الحاضر، والوكيل غائب أيضا، وسيستمر طه حسين فى القيام بعمل الوكيل بالنيابة عن العميد حتى يعود واحد منهما إلى الكلية».