د. أسامة محمد رسلان

الخطاب الديني المصري: من تبصّر تمصّر (٢)

الأحد، 04 يناير 2026 11:28 ص


تناولت الحلقة الأولى من هذه السلسلة تعقيبًا من منظور الخطاب الديني المصري المستنير على خبر عن نشاط نوعي للجامعة المصرية للثقافة الإسلامية في كازاخستان (المشتهرة إعلاميًا باسم جامعة "نور-مبارك")؛ مفاده الغوص في أعماق تاريخ ذلك الوطن الفسيح أرضًا وقلوبًا، واستجلاء جانب من مقومات هويته ذات الصبغة الإسلامية، ثم صوغ تلكم الكشوف الهوياتية التاريخية على هيئة مقررات دراسية تسهم في تعزيز الهوية الوطنية للمسلم الكازاخي.

وأوضحت أن من ثمرات زيارة الوزير إلى الجامعة منذ أشهر قليلة أن وجّه بالشروع -على عجل، وبالتوافق مع الأشقاء الكازاخ- في سبر تاريخ ذلك الوطن الكبير، واستجلاء أهم شخصياته من العلماء خصوصًا في العلوم الشرعية والعربية، وإدراج ذلك وغيره في مقررات الجامعة، كي ما ينشأ الطالب الكازاخي على فهم مستنير للخطاب الديني بروحه المصرية؛ مؤداه -في هذا السياق- هو أن التدين الحق بالإسلام يجعل المسلم مواطنًا مخلصًا لوطنه نافعًا له، حريصًا عليه، حاميًا له، معتزًا به. واستبان من ذلك جانب أصيل من جوانب الاختلاف الجذري في الخطاب الديني المصري عن الخطاب الديني السائد عند تيارات أخرى معروفة بتطرفها سواء أمارست الإرهاب أم لم تمارسه.

وقد تشرفت بالسفر ضمن بعثة أزهرية - حملت فيها صفة الانتماء إلى الأزهر الشريف والأوقاف المصرية معًا – إلى العاصمة النمساوية، فيينا، في يوليو الماضي، ضمن مؤتمر تنظمه الأكاديمية الأوروبية للأديان تحت رعاية الاتحاد الأوروبي. شارك في المؤتمر ١٢٠٠ باحث من مختلف أنحاء العالم على مدار ٧ أيام طوال بالغة التنوع فكريًا وبحثيًا. وقد كان للبعثة أداء طيب بشهادة الزميلات والزملاء من مختلف أنحاء العالم، بل إن بعض الجلسات التي شاركت فيها البعثة المصرية العلمية انصرفت عن المتحدثين الرئيسين وطلبت إلى أفراد البعثة المصرية التحدث! وهي مواقف وإن كانت محرجة لأنها طغت على وقت باحثين متحدثين آخرين، فهي كاشفة لاحتياج الدنيا إلى سماع خطابنا الرشيد.

وكان مما كشفته الزيارة أن الشركاء الأوروبيين - وغيرهم – في مسيس الاحتياج إلى المكاشفة التي تترك السياسة والأغراض غير المجردة جانبًا، والسعي وراء العلم والحقيقة وحدهما حرصًا على مستقبل آمن لكل الدنيا. فكان من ضمن محاور الحديث والنقاش (بل المحاججة أحيانًا) أن التعلل بحرية الرأي والفكر والاعتقاد على إطلاقها يضر بالجميع. وضربت مثالاً من واقع البحث الذي شاركت به في ذلك المؤتمر، مفاده قضية "الحاكمية" التي اعتمدتها جماعات التطرف والإرهاب في فهم كيفية تسيير شئون الناس والاحتكام إلى المرجعية في ذلك. ولست هنا بصدد شرح هذه القضية وتهافت أسسها في طرح المتطرفين والإرهابيين، وسرد حجج التفنيد وعرض التأصيل؛ فلهذا مجالات أوسعها الباحثون والعلماء مناقشةً وشرحًا – وأرشح للقارئ الكريم في هذا الصدد كتاب "الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين" لمؤلفه معالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري – وزير الأوقاف.

أما وجه استدعاء هذه القضية في سياق الخطاب الديني المصري المستنير من جانب، والتذرع بإطلاق الحريات الفكرية والاعتقادية وحقوق ممارستها من جانب آخر، فهو أن السماح بمثل هذا التموضع والانتشار الفكريين في الغرب قد أفضى إلى لجوء مسلمين مهاجرين من الجيل الأول أو الثاني أو الثالث أو ما هو أبعد (أو لجوء مسلمين من أبناء البلاد الأوروبية) إلى هجران العمل في المصالح العامة أو الخاصة بأنفسهم أو لأزواجهم بذريعة الحُرمة! وكذلك تسريب أبنائهم (لا سيما البنات) من المؤسسات التعليمية عمدًا؛ وكل هذا بذريعة الحاكمية! أي غياب الحكم بشرع الله في تلك البلاد... ومن عجبٍ أن هذا التفكير المأفون يستسيغ العيش على إعانات من حكومات تلك الدول، أما العمل أو التعليم فيها فهو في نظرهم المعوج حرام مُنكَر! وقد استعرضت الحلقة الأولى من هذه السلسلة نوعين من التيارات الفكرية المتطرفة التي خرج من رحمها إرهاب وتكفير وتطرف، وهذا الواقع المريض في دول الغرب منسحب على نواتجهما معًا.

وقد دار حوار علني بيني وبين أحد المسئولين الحاضرين في مؤتمر فيينا (يوليو ٢٠٢٥) المشار إليها آنفًا، فتعلل بأن الحرية مكفولة تمامًا، وأن المسألة لا دخل للتسييس فيها. فكان النقاش التالي:
أنا: هل الحرية مكفولة فعلا لكل فكرة ولكل شخص؟
المسئول: نعم!
أنا: فإذا جاءك مواطن نمساوي أو من أي جنسية يطلب صلب نفسه عشية الميلاد اقتداءً بإيمانه بسيدنا المسيح، هل توافقون؟
قال: لا!
أنا: لماذا؟
المسئول: لأنه يضر نفسه بذلك ضررًا بالغًا قد يصل إلى الوفاة، ولهذه المسألة تكييف ديني معين عند معتنقيها.
أنا: لا أناقش التكييف الديني البتة، فلكل إنسان أن يعتقد ما شاء؛ بل أناقش فكرة إطلاق الحرية في الأفكار والاعتقاد وما يترتب عليهما من أفعال. وعلى المنوال نفسه: هل تتسامحون إلى ما لا نهاية مع من يُقعِد نفسه وزوجته عن العمل ويسرب أبناءه من المدارس بذريعة عدم استحلال الأموال وحرمة الاختلاط في العمل وفي الدراسة، وحرمة المناهج الدراسية، إلخ؟
المسئول: لا، بل ننذره بإجراءات إذا لم يتراجع.
أنا: وماذا عن شخص يؤمن بعقيدة معينة تجعله يخمش نفسه ويؤذي بدنه بشدة في ذكرى سنوية معينة، هل تسمحون بهذا؟
المسئول: لا.
أنا: لماذا؟
المسئول: لعلة الضرر التي سبق بيانها.
أنا: إذًا أفهم من هذا أنكم لا ترون إلا الضرر الحالّ البدني الذي يؤذي فيه الفرد نفسه في الغالب، وتتغافلون عن الضرر الفكري الذي يتجاوز الفرد إلى المجموع ويضر بالحاضر نسبيًا وبالمستقبل كليًا؟ هل تتحملون أعدادًا من شعبكم لم ينالوا تعليمًا بداعي الحرمة الدينية؟! هل تتحملون أجيالاً تنشأ بعد كل هذا التقدم وهي أمية، وتؤمن بوجوب "الحاكمية" و"العزلة الشعورية"، و"تحقير المرأة"، و"الجاهلية المستدامة"، واستعباط حكومات دول المجهر؟
المسئول: لا أعرف ما أقول، لكن لا بد من الموازنة بين كل هذه الاعتبارات!
أنا: وماذا عن جانب التسييس من بعض دول المجهر للجماعات التي تحتضن هذا الفكر؟
المسئول: هذا يتفاوت من بلد لآخر.
أنا: صحيح، لكن إذا كانت لكم مظلة جامعة سياسية/اقتصادية فلم لا تناقشون هذا فيها؟ أم أنكم مستعدون لتحمل التبعات مستقبلا أكثر مما تحملتم وفق الثابت من وجود آلاف المقاتلين الأوروبيين في صفوف داعش حتى أصبحتم تكابدون ويلات "العائدين"، ووجود آلاف آخرين متطرفين فكريًا وإن لم يحملوا السلاح (حتى الآن)؟!
المسئول: هذه نقاط مردّها إلى صنّاع قرار ليسوا حاضرين بيننا الآن!
أنا: ربما، ولكن ستظل الحقيقة الساطعة مهما حاول البعض تعميتها أو التنكّر لها: أن السؤال الذي يلزم التفكير والإجابة عنه منذ عقود، وحتى اليوم، ولمائة عام مقبلة – أي "نسخة" من الإسلام تحتضون في بلادكم؟! هذا لأن المستقبل -فعلاً- رهن بإجابتكم عن هذا السؤال بتجرد وبعيدًا عن التسييس. (انتهى النقاش باحترام وتقدير متبادل).

شيئًا فشيئًا يهتدي كثير من صناع القرار في العالم إلى أن الفهم المصري لجماعات التطرف والإرهاب، والتعامل المصري معها أمنيًا وسياسيًا وفكريًا (وبالمراجعات لمن أراد وصدق) هو نموذج يُحتذى، والإنسانية كلها بحاجة إليه. ونحن -حقًا وصدقًا- إذ نفعل ذلك فإننا نحمي به الدنيا كلها والبشرية جمعاء، وإذ نهتدي بهذا الفكر المستنير فإننا نأتيه ديانةً ووطنيةً وسياسةً، مهما حاول أرباب التطرف والإرهاب وحماتهم تصوير الأمر على خلاف ذلك.

وختامًا، الخطاب المصري الديني المستنير وسيلة إنقاذ عالمية، وصدق القائل: "من تبصّر، تمصّر"!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة