مها عبد القادر

الدولة المصرية.. حين تتحول الثوابت إلى قوة صمود

الأحد، 04 يناير 2026 01:08 ص


تشكل الثوابت السياسية لأي دولة الإطار الحاكم لحركتها الداخلية والخارجية، والمرجعية العليا التي تُبنى عليها المواقف والقرارات، ولا سيما في القضايا المصيرية المرتبطة بالسيادة الوطنية، والأمن القومي، ووحدة الدولة ،واستقرارها، وفي التجربة المصرية، لا يمكن فهم هذه الثوابت بمعزل عن الخصوصية التاريخية والحضارية للدولة المصرية، فهي واحدة من أقدم الدول المركزية في التاريخ الإنساني، ذات رسوخ حضاري ممتد، وموقع جغرافي فريد يتوسط دوائر إقليمية شديدة الحساسية، إلى جانب ثقل سكاني وثقافي يمنحها دورًا محوريًا في محيطها العربي والإفريقي والمتوسطي.


وتعد الثوابت السياسة المصرية ثمرة تراكم تاريخي طويل وتجارب وطنية متعاقبة، صاغت وعي الدولة بمصالحها العليا، وحددت بدقة دوائر أمنها القومي، وأرست قواعد ثابتة للتعامل مع التحديات الداخلية والخارجية، وقد تجلى هذا الوعي بوضوح خلال عام 2025، الذي مثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على التمسك بثوابتها في ظل بيئة إقليمية مضطربة، وأزمات دولية متشابكة، وضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة ومحاولات متكررة لفرض وقائع جديدة في المنطقة، ونتيجة لذلك كان دور القيادة السياسية المصرية علي قدر المسؤولية وعنصرًا حاسمًا في إدارة التوازن الدقيق بين الثبات والمرونة؛ ثبات في المبادئ والمرتكزات الأساسية، ومرونة في الأدوات والسياسات.


وقد حافظت الدولة خلال عام 2025 على استقلال قرارها الوطني، وتمسكت برفض أي مساس بسيادتها أو التدخل في شؤونها الداخلية، وفي الوقت ذاته انتهجت سياسة خارجية عقلانية قائمة على التهدئة، والدبلوماسية النشطة، وتغليب منطق الدولة الوطنية على منطق الفوضى أو المغامرة، كما عكست إنجازات 2025 قدرة القيادة السياسية على قراءة المشهد الإقليمي والدولي بوعي استراتيجي، وإدارة الملفات الشائكة بعقل متيقظ حكيم مستبصر، سواء ما تعلق بتأمين الحدود، أو دعم الاستقرار في الإقليم، أو حماية المصالح المصرية في قضايا الطاقة والمياه والأمن الغذائي، وقد أسهم هذا النهج في تعزيز صورة الدولة المصرية، كركيزة استقرار، وحائط صد أمام تمدد الفوضى، تعتمد على القوة الصلبة، ومزيج قوي متفرد ومتوازن من الحكمة السياسية، والشرعية الشعبية، والقدرة على بناء توافق داخلي حول الثوابت الوطنية وغير خاضعة لمنطق الضغوط أو المقايضات.


ويتكامل مفهوم السيادة مع رؤية مصر الشاملة لمفهوم الأمن القومي، أصبح مفهومًا مركبًا تتداخل فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد عكست سياسات مصر إدراك القيادة السياسية لهذه الحقيقة، فجرى التعامل مع الأمن القومي باعتباره منظومة متكاملة، قوامها الاستقرار الداخلي، والتنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، وحماية الهوية الوطنية، إلى جانب الجاهزية الدفاعية، حيث أن الدولة التي تعاني هشاشة اقتصادية أو انقسامًا اجتماعيًا، مهما امتلكت من قوة عسكرية، تظل عرضة للضغط والاختراق، وهو ما سعت الدولة المصرية إلى تفاديه عبر إصلاحات صعبة، تحمّل الشعب جزءًا من كلفتها، في مقابل بناء أساس أكثر صلابة للمستقبل.


ويعد الأمن المائي من أحد أخطر التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري في العصر الحديث، نظرًا لاعتماد مصر شبه الكامل على نهر النيل بوصفه شريان الحياة، وقد رسخت القيادة السياسية خلال عام 2025 مبدأ أن مياه النيل قضية وجود لا تقبل التفريط، وأن الحفاظ على الحقوق التاريخية والقانونية في هذا المورد الحيوي جزء لا يتجزأ من حماية الأمن القومي، ومن ثم انتهجت مصر مسارًا متوازنًا يجمع بين التفاوض والدبلوماسية النشطة، والتمسك بالقانون الدولي، مع الحفاظ على كافة الخيارات التي تضمن حماية المصالح الاستراتيجية للدولة، دون انجرار إلى صدام غير محسوب.
وتحتل المؤسسة العسكرية موقعًا مركزيًا في معادلة الأمن القومي المصري، بوصفها درع الدولة وسيفها في مواجهة التهديدات، فالجيش المصري، بتاريخ ممتد من الوطنية والانحياز للدولة، يمثل إحدى الثوابت التي لم تخضع للمساومات أو التسييس، وقد حدد الدستور دوره بوضوح في حماية البلاد وصون مقدراتها، بعيدًا عن الانخراط في الصراعات الأيديولوجية أو الحزبية، وقد أكدت القيادة السياسية خلال السنوات الأخيرة، وبصورة واضحة في 2025، على دور الجيش كضامن للاستقرار وحامٍ للدولة الوطنية، ويكمن ثقل هذه المؤسسة في كونها عنصر توازن واستقرار، وركيزة ردع تحمي القرار السياسي وتمنحه القدرة على المناورة.
وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، أدركت مصر أن أمنها القومي لا ينفصل عن أمن محيطها الإقليمي، سواء في الدائرة العربية أو الإفريقية أو المتوسطية، فحالة الفوضى التي أصابت بعض دول المنطقة، وما صاحبها من انهيار مؤسسات الدولة الوطنية، أفرزت تهديدات عابرة للحدود، من إرهاب وهجرة غير شرعية وجريمة منظمة، وفي ضوء ذلك تبنت السياسة المصرية بقيادة واعية موقفًا ثابتًا يقوم على دعم الدولة الوطنية، والحفاظ على الجيوش النظامية، ورفض مشاريع التفكيك والفوضى الخلاقة التي تستهدف إضعاف الكيانات الوطنية لحساب جماعات مسلحة أو قوى غير شرعية، أثبتت التجربة أنها لا تجلب إلا الخراب وعدم الاستقرار.
وتعد مكافحة الإرهاب والتطرف أحد المحاور الرئيسة في ثوابت السياسية المصرية حيث يمثل تهديدًا وجوديًا يستهدف الدولة والمجتمع، وقد عكست سياسات الداخلية والخارجية تطورًا في هذا الملف، حيث جرى التعامل مع الظاهرة من منظور شامل، يجمع بين المواجهة الأمنية الحاسمة، والمعالجة الفكرية والثقافية، وتجديد الخطاب الديني بالتعاون مع المؤسسات الدينية الوطنية، وعلى رأسها الأزهر الشريف والكنائس المصرية، إدراكًا بأن الإرهاب يهزم بالسلاح بتجفيف منابعه الفكرية والاجتماعية، وتعزيز وعي الجمعي بمخاطره.
وتعد القضية الفلسطينية أحد الثوابت الراسخة في السياسة المصرية، وركيزة أساسية في الموقف الوطني التاريخي لمصر تجاه قضايا المنطقة، فقد حافظت القيادة السياسية، ولا سيما خلال عام 2025، على هذا الثابت باعتباره التزامًا أخلاقيًا واستراتيجيًا لا يقبل المساومة أو التوظيف الظرفي، فالدعم المصري للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن العدالة والاستقرار الإقليميين لا يمكن أن يتحققا دون تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية.
واضطلعت مصر بدور فاعل كوسيط نزيه ومسؤول، يعمل على التهدئة ومنع التصعيد، ويوازن بين مقتضيات الأمن الإقليمي وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، كما واصلت القيادة السياسية جهودها الدبلوماسية المكثفة من أجل إحياء مسار السلام، والدفع نحو حل قائم على حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية، انطلاقًا من إدراك عميق بأن استمرار الصراع لا ينتج سوى مزيد من عدم الاستقرار والعنف والإرهاب والدمار والكراهية، وأن أمن المنطقة برمتها يظل رهينًا بإغلاق هذا الملف على أساس عادل ودائم.
وأولت الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا بـالأمن الاقتصادي، في إطار حماية الأمن القومي،  فهو أحد ركائز الاستقلال الوطني السياسي والاجتماعي، فالاقتصاد القوي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الضغوط الخارجية، وقد مثلت الإصلاحات حتي عام 2025، رغم كلفتها الاجتماعية، محاولة جادة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود، عبر تنويع مصادر الدخل، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي في السلع الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الخارج، بما يمنح الدولة هامش قرار أوسع ويحميها من الابتزاز الاقتصادي، ويحمي قراراتها السيادية.
كما أدركت القيادة السياسية مبكرًا خطورة ما عرف بحروب الوعي والمعلومات، التي تستهدف تشويه صورة الدولة، وبث الشكوك، وتقويض الثقة بين المواطن ومؤسساته، بما يُضعف الجبهة الداخلية ويفتح المجال للاختراق الناعم، ومن ثم، أصبح تعزيز الوعي الوطني، ومواجهة الشائعات، وبناء خطاب إعلامي مهني ومسؤول، أحد الثوابت المستجدة في مفهوم الأمن القومي المصري، وقد اكتسب هذا التوجه أهمية خاصة خلال عام 2025، الذي شهد تصاعدًا ملحوظًا في هذا النمط من الحروب غير التقليدية، ما فرض على الدولة تبني مقاربة شاملة تجمع بين رفع الوعي المجتمعي، وتطوير الأداء الإعلامي، وتحفيز دور المواطن بوصفه شريكًا فاعلًا في حماية الدولة.
وانتهجت السياسة المصرية على الصعيد الدولي نهج التوازن والانفتاح المتعدد، بما يحقق المصالح الوطنية دون الارتهان لمحاور أو تكتلات بعينها، فقد نجحت القيادة السياسية في تنويع الشراكات الدولية، وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني، ويُعد هذا التوازن أحد أهم ثوابت السياسة الخارجية المصرية، وهو ما عزز مكانة مصر الإقليمية والدولية في عام بالغ التعقيد.
ونؤكد أن ثوابت السياسة المصرية في مجالي السيادة والأمن القومي تمثل منظومة متكاملة، تجمع بين الثبات في المبادئ والمرونة في الأدوات، والقدرة على التكيف مع المتغيرات دون التفريط في الأسس، وتعبر عن وعي تاريخي عميق بمخاطر المرحلة، وقد أثبتت تجربة عام 2025 أن القيادة السياسية، حين تستند إلى هذه الثوابت وترسخها في الوعي الجمعي، مع ما تملكها من شرعية شعبية ووعي ورؤية استراتيجية تحكم مسار الدولة، تظل قادرة على حماية الدولة، وصون سيادتها، وتأمين مستقبل أجيالها، في عالم تتزايد فيه التحديات، وتتراجع فيه القيم، ولا يبقى فيه إلا الدول التي تعرف كيف تدير قوتها دون أن تفقد بوصلتها الوطنية.
حفظ الله بلادنا، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان، ووحد صفوف أهلها، ووفق قيادتها لما فيه الخير والصلاح، وجعلها دائمًا، واحة استقرار، وبناء، ورحمة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة