محمد أيمن

هندسة النفوذ العالمي

السبت، 31 يناير 2026 03:23 م


 

تشهد البيئة الدولية لحظة مفصلية تتقاطع فيها المشاريع الكبرى للقوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، في صراع يتجاوز الأيديولوجيا إلى جوهر المصالح الصلبة: الموارد، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا المتقدمة.

هذا الصراع، وإن بدا عالميًا في شكله، فإن بؤره الساخنة تتموضع عند عقد جيوسياسية بعينها، تتقدمها منطقة البحر الأحمر وباب المندب، بوصفهما شريانين حاسمين في حركة التجارة والطاقة العالمية.

تدرك واشنطن أن صعود الصين لم يكن طفرة عابرة، بل نتاج مشروع استراتيجي طويل النفس، كان «طريق الحرير» في نسخته الحديثة حجر الأساس فيه. فمن خلال ربط الموانئ، والاستحواذ على محطات لوجستية، وتأمين خطوط الملاحة، بنت بكين قدرة غير مسبوقة على النفاذ إلى الأسواق والموارد.

لذا، تحوّل هذا الطريق إلى هدف مباشر لمحاولات الاحتواء الأمريكية، ليس بإجهاضه كليًا، حيث أصبح أمر من الصعب حدوثه، بدون مواجهة مباشرة ، بل بإرباكه ورفع كلفته وتقليص مردوده الاستراتيجي.

في هذا السياق، تبرز أهمية البحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما نقطة الاختناق الأخطر على هذا المسار. هنا يتجسد الصراع في صورته العارية: تنافس دولي، وتدافع إقليمي، ومحاولات لإعادة توزيع الأدوار.

فثمة فواعل إقليمية تسعى لتقديم نفسها شريكًا مفضلًا للقوى الكبرى، وأخرى ترفض التهميش وتحاول اقتناص دور مستقل يحقق لها هامش مناورة وتوازنًا دون الارتهان الكامل لأي محور. غير أن جوهر الأزمة يظل صدام الإرادات بين واشنطن وبكين.

الوثائق الاستراتيجية الأمريكية الأخيرة حسمت توصيف المشهد: الصين تُعد التهديد الوجودي الأول للولايات المتحدة، بينما تراجعت روسيا إلى مرتبة المنافس القابل للاحتواء.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل أعقب سنوات من استنزاف موسكو، وكشف حدود قدرتها، وتراجع قدرتها نسبياً على المفاجأة الاستراتيجية، على الأقل في قراءة الاستراتيجية الأمريكية.

في المقابل، أعادت واشنطن صياغة دورها العالمي؛ ليس انسحابًا أو انعزالًا، بل تركيزًا انتقائيًا على مسارح ذات قيمة أعلى للأمن القومي الأمريكي.

ضمن هذا الإطار، تكتسب فنزويلا، وجرينلاند، والمكسيك، وكوبا، ودائرة الأمن القومى  الصغرى أهمية مضاعفة.
ففي فنزويلا، نجحت واشنطن فيما كانت تريد، وهنا نستدعي تحويل النفط—أحد شرايين الطاقة الحيوية للصين—إلى ورقة ضغط فعالة، عبر التحكم في مساراته وقدرته على الوصول إلى بكين.

أما جرينلاند، فليست مسألة صدام مع أوروبا بقدر ما هي سباق لمنع أي موطئ قدم صيني في منطقة غنية بالمعادن النادرة، وحيوية لمنظومات الدفاع المستقبلية، القبة الذهبية.

ويُنظر إلى كوبا والمكسيك باعتبارهما «الفناء الخلفي» للولايات المتحدة، حيث لا مجال للمساومة أو القبول بتهديدات غير مباشرة.
فاستقرار هذا النطاق الجغرافي شرط لازم لأي مواجهة استراتيجية أوسع مع الصين.

وفي آسيا، تتصدر تايوان قائمة الأولويات؛ ليس فقط بوصفها مركزًا لصناعة الرقائق، بل لأنها قلب الصناعات التي ستحدد ملامح حروب الجيل السادس، حيث يمتزج التسليح المتقدم بالمعادن النادرة، والأنظمة ذات الاستجابة الفائقة، والوعي الذكي الصناعي المعتمد على البيانات.

كما أن أمريكا لديها رغبة في تحديث وتطوير قدرات اليابان وبعض الدول الآسيوية بمستويات مختلفة لتكون حائط صد أمام الصين، وهنا نعي أن الصين لديها مشاكل وتفاعلات إقليمية يجب أن تتعامل معها قبل دخول حرب تايوان، أو بالأحرى صدام مع أمريكا.

إيران تمثل عقدة إضافية في هذا المشهد المعقد. فهي ذراع طاقة واستنزاف مهم للصين، ومحور توتر دائم لإسرائيل. الرغبة الإسرائيلية في توجيه ضربة لطهران قائمة منذ سنوات، لكنها اصطدمت بحسابات أمريكية متحفظة في عهد الإدارة السابقة.

في المقابل، يسعى دونالد ترامب—وفق رؤيته—إلى تحجيم إيران اقتصاديًا واستراتيجيًا، حيث أنه لهذه اللحظة تكلفة الانهيار الإيراني أعلى بكثير من تكلفة الاستمرار، هنا تعي أن الضغوط الأمريكية  ليست فقط عبر برامجها النووية أو الصاروخية، بل أساسًا بقطع الطريق أمام تدفق نفطها إلى الصين بأسعار تفضيلية، وفضلاً، عن انتهاء الدور الإيراني في المنطقة.

فالسيطرة على النفط الإيراني تعني نفوذًا أوسع على «أوبك» و«أوبك+»، وبالتالي على أسعار الطاقة العالمية.

في موازاة ذلك، تتحرك واشنطن على جبهات مالية، من خلال إدارة أسواق الذهب، وتخفيف قوة الدولار، وإعادة هندسة أسعار الفائدة، في محاولة لضرب توازنات عالمية تخدم أهدافًا داخلية وخارجية في آن واحد، وتقيّد هامش الحركة الصينية.

وسط هذا الزخم، تبرز مصر بوصفها فاعلًا مركزيًا أدرك مبكرًا طبيعة التحولات. فالتطوير الشامل للموانئ، وبناء قدرات عسكرية متوازنة، وتعزيز كفاءة الأجهزة المعنية بإدارة الأزمات، منح القاهرة قدرة حقيقية على المناورة في بيئة شديدة الاضطراب.

لقد استطاعت مصر أن تلعب أدوارًا محورية، وتحافظ على توازن دقيق، وتفرض حضورها دون ضجيج، مستندة إلى قراءة واعية لقدراتها وإمكاناتها.

في النهاية، لا يمكن فهم الصراع الدائر بمعزل عن خرائط المصالح والأمن القومي. فالعالم لا يشهد حربًا تقليدية بقدر ما يعيش مرحلة إعادة تشكيل عميقة، تتقدم فيها الدول القادرة على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية، والقوة الصلبة، والمرونة السياسية. وفي هذه المعادلة، تظل مصر رقمًا صعبًا، حاضرًا بفعله، لا بصخبه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة