عندما يتهافت الجميع على أصل بعينه بوصفه ملاذًا آمنًا، فاعرف جيدًا أنه لم يعد كذلك، هكذا تقول الحكمة، وهكذا الوضع الآن في سوق المعادن النادرة، الذي بات يعاني حالة من الإنفلات الشديد في مستويات الأسعار صعودًا وهبوطًا، بعد دخول ملايين المضاربين حول العالم، لاسيما أن الذهب زاد أطماعهم في المكاسب السريعة خلال الأشهر القليلة الماضية، لكنه فاجأهم أيضًا بهبوطٍ تاريخيٍ، لم يشهده منذ 43 عامًا، في إشارة إلى حجم المقامرات الواسعة التي جرت على المعدن الأصفر خلال الفترة الماضية.
ووفقًا لرويترز فإن أسعار الذهب انخفضت أمس الجمعة بنسبة وصلت إلى 12.6%، متجهة نحو أكبر انخفاض يومي على الإطلاق، حيث ارتفع الدولار بعد أن عيّن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، محافظ الاحتياطي الفيدرالي السابق، كيفن وارش، لقيادة البنك المركزي الأمريكي، عندما تنتهي ولاية جيروم باول، في مايو المقبل.

أسعار الذهب فى العقود الآجلة
يمكن للمحللين والخبراء في أسواق المعادن والبورصات العالمية أن يضعوا العديد من الأسباب الأساسية لانخفاض الذهب والفضة والمعادن النادرة، ما بين نقاط الدعم والمقاومة في منحنيات الصعود والهبوط، لكن الأمر يمكن تفسيره بمنظور أبعد باعتباره صراعًا كبيرًا بين الشرق والغرب، بين المعدن الأصل، والورق الذي لا يحمل إلا الثقة أو الاعتقاد فيها، وهو ما يعيد تشكيل المعادلة بصورة مختلفة، خاصة أن صناديق الذهب، أو الذهب الذي يتم بيعه وتداوله على الشاشات في العقود الفورية والآجلة، لم يعد له مخزون حقيقي قابل للحيازة، بعدما أصبحت الأونصة الحقيقية الواحدة، ربما يتقاسمها 150 شخصًا على شاشة التداول أو أكثر.

أسعار الفضة فى العقود الآجلة
أتصور أن سببًا مهمًا جديدًا لتراجع أسعار المعادن النادرة يعود إلى رغبة صناع السوق، والصناديق الكبرى التي تحتل مساحات واسعة من أحجام التداول أن تتخلص من المضاربين، الذين يعمقون فرضية "الذهب الورقي"، خاصة أن الفجوة تتسع يومًا بعد الآخر مع دخول هؤلاء إلى السوق، بدعم من فكرة " الرافعة المالية " أو leverage كما يُطلق عليها، وهي تعني أن من يشترون الأسهم أو المعادن في البورصة يمكنهم اقتراض أموال من شركات الوساطة أو السمسرة، لفتح صفقات بأحجام أكبر من رأسمالهم الفعلي، في مقابل هامش ربح أو مبلغ تأمين للوسيط " margin " يتم سداده، وبقدر معتبر يحقق هذا النظام مكاسب حال صعود الأسهم، كذلك يحقق نفس مستوى الخسائر حال الهبوط، وهو ما يجعل الأمر أشبه بمقامرة محفوفة بالمخاطر.

أسعار النحاس فى العقود الآجلة
حتى نفهم أكثر فكرة الرافعة المالية وهوامش الربح التي يحصل عليها الوسطاء، يمكننا افتراض أن شخصًا لديه استثمارات في سوق الذهب بقيمة 10 آلاف دولار، ولديه صلاحية رافعة مالية مع أحد الوسطاء بنسبة 1: 10 أي أن بإمكانه الشراء حتى 100 ألف دولار، في حين أنه يمتلك 10 آلاف فقط، وهو ما يجعل مكاسبه 10 أضعاف حال صعود الذهب بنسبة 1% فقط، وكذلك الحال خسائره 10 أضعاف عند هبوط الأسعار بنفس النسبة.
من يقامرون في الأسواق وفق أداة الرافعة المالية دائمًا ما يلجأون إلى آلية وقف الخسائر (Stop-Loss) وفي هذه الحالة يحدد كل مستثمر السعر الذي يقرر عنده وقف خسائره بالبيع المباشر، حتى لا يدخل في حالة تعثر عن سداد مبالغ التأمين المفروضة من جانب شركات الوساطة، خاصة أنه يستخدم أمولًا لا يملك منها سوى 10% فقط، إذا كانت رافعته المالية 1: 10 و 5% إذا كانت الرافعة 1: 20 وهو ما يفسر الضغط على الأسواق، والهبوط العنيف للمعادن النادرة الجمعة الماضية بصورة لم تشهدها منذ عقود عديدة.

خروج آلاف أو ربما ملايين المضاربين حول العالم من الاستثمار في عقود الذهب يجعل السوق أكثر استقرارًا، حتى وإن كانت حركات الصعود والهبوط محدودة أو متواضعة، فهذا يجعل الصناديق الكبرى وعمالقة الاستثمار في الأصول الآمنة يضعون تقديرات أفضل لمستقبل المعادن، ويحمون سلعتهم من مخاطر التقلبات الحادة، التي قد تحولها من ملاذ آمن، واستثمار طويل الأجل إلى ورقة للمقامرة شديدة الخطورة!
لكن هل كان نظام الرافعة المالية وحده السبب الأهم نحو هبوط المعادن النادرة على رأسها الذهب والفضة بقيم تاريخية ؟ الحقيقة هناك سبب آخر محوري دفع الأمور إلى ما صارت عليه، يوم الجمعة الماضي، تمثل في الانخفاضات الضخمة بأسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، وأتصور أن الذهب رغم هبوطه العنيف الخميس والجمعة الماضيين، إلا أنه أدى دورًا مهمًا بعدما أسهم في إنقاذ المستثمرين بـ وول ستريت من حافة الإفلاس، خاصة من كانوا يحوزون أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة، وتلك التي تعمل بمجالات الذكاء الاصطناعي، وقد حققت خسائر فادحة منذ بداية العام 2026، وصلت إلى 11.04% في قطاع البرمجيات، و5.07% في قطاع الإلكترونيات، و 15.19% في قطاع التطبيقات الذكية، فلم يجد المستثمرون أمامهم أوراق رابحة يمكن التخلي عنها في الوقت الراهن سوى الذهب، باعتباره قد نجح في تحقيق مكاسب مناسبة جدًا خلال الفترة الماضية، لذلك تم بيعه بعدما وصل ذروته، من أجل إنقاذ أسهم التكنولوجيا ودعمها بمتوسطات جديدة، لعلها تسمح لهم بتقريب معادلة المكسب والخسارة.
إذن جزء ليس صغيرًا في أزمة الانخفاض الكبير في أسعار الذهب والمعادن النادرة أنه يدفع ثمن خسائر أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى والذكاء الاصطناعي، التي يتحدث الجميع عن فقاعة كبرى تنتظرها خلال العام الجاري، مع تضخم أسعارها، وفشلها على المستوى العام في تحقيق العوائد المطلوبة، رغم إنفاق تريليونات الدولارات في البنية التحتية والأبحاث، بما يجعل الأمر أكثر خطورة، ويدفع كرة الثلج نحو التمدد والانتشار نحو انهيارات جديدة قادمة، سوف تمتد إلى أسواق المال على مستوى العالم، وربما يكون لها تبعات كارثية على الاقتصاد، والشرارة الكبرى لأزمة مالية عالمية جديدة كالتي حدثت في عام 2008.

خسائر شركات التكنولوجيا العالمية منذ بداية 2026
ورغم كل ما سبق من أسباب فنية دفعت المعادن النادرة إلى الهبوط لمستويات قياسية بصورة مفاجئة خلال الأيام الماضية، إلا أن هناك أسباب سياسية أو عامة يتم تعليق مصير الذهب عليها بصورة مستمرة، تتمثل في المخاطر الجيوسياسية، والحرب الكبرى المنتظرة، والتوترات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وأزمة الديون في الولايات المتحدة، والرسوم الجمركية، إلا أن كل ماسبق يبقى "تحت الطلب"، لتبرير صعود المعدن الأصفر ومعه أغلب المعادن النادرة، لكن ماذا إذا كانت هذه العوامل موجودة بالفعل ورغم ذلك انخفض الذهب بصورة لم يشهدها منذ عقود، مع تواتر الأنباء بتحرك المدمرات الأمريكية نحو الشرق لضربة محتملة نحو إيران، وقبلها تثبيت أسعار الفائدة على الدولار، وما لهذا القرار من انعكاسات على صعود الذهب، ومع ذلك كان الهبوط قويًا ومستمرًا؟!
لا يمكن الجزم بأن الأسوق المالية الكبرى والبورصات العالمية أو حتى المحلية، يقف خلفها صانع سوق واحد، أو عدة مؤسسات أو أشخاص، ويتحكمون في مصير الأسهم صعودًا وهبوطًا، خاصة إن كانت السوق مفتوحة، ويمكن للجميع أن يبيع ويشترى متى شاء، وهو ما يجعلنا دائمًا نتجه إلى النظرية الكلاسيكية في العرض والطلب، ونتذكر معًا الفيلم الأمريكي الشهير "ذئب وول ستريت"، عندما التقي البطل "جوردان بيلفورت"، مع مارك هانا، وقد كان الأخير سمساراً في البورصة، وقدم للأول نصائح مهمة، وكانت أشهر عباراته:" لا يمكن لأحد أن يعرف إن كانت الأسهم ستصعد أو تهبط أو تستقر عند حالتها، فكل ما يثار عنها مجرد تكهنات"، وأظن هذا هو الحال تمامًا، حتى وإن كان التحليل الفني مهمًا وضروريًا لفهم أبعاد السوق وتحديد أولويات البيع والشراء.
حالة الهبوط الحادة في أسعار المعادن النادرة قد تجعل من هم داخل السوق أو خارجه يفكرون مرتين قبل المغامرة بالشراء، سواء فتحت بورصات المعادن على ارتفاع أو انخفاض يوم الاثنين المقبل، خاصة إن كانت الطريق محفوفة بالمخاطر، وسط تذبذب واضح وارتباك قد يمتد لعدة جلسات مقبلة، في تطبيق عملي للمثل الشعبي المصري المعروف " اللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي" !
الأزمة الكبيرة في المعادن النادرة ستظل قائمة، نتيجة الصراع التقليدي بين المعدن الافتراضي المرصود في العقود الفورية أو الآجلة "على الورق" والمعدن الحقيقي بصورته الفيزيائية المعروفة، وبالطبع المعادلة الرابحة تتجه دائمًا ناحية الأصل الحقيقي، خاصة بعد تضخم قيمة المتداول على الورق، وعدم القدرة الفعلية على تغطيته حال المطالبة بالأصل، الأمر الذي يترتب عليه فجوة بين أسواق الشرق والغرب، فالأول دائمًا يرغب في حيازة السبائك بيديه، بينما الآخر يبيع ويشتري على الورق، لجني الأرباح دون شرط الحيازة.
لا مانع أبدًا أن يتجه الناس إلى توظيف أموالهم بالصورة التي يرغبونها، وشراء ما يرون أنه يحمل مكاسب أو يحفظ مدخراتهم في المدي القصير والمتوسط والطويل، لكن تبقى النصيحة المخلصة لهم بأن يبتعدوا عن البيع والشراء في أوقات الأزمات، وينتظروا دائمًا حتى يهدأ السوق من تأثير المضاربات، وعليهم أن يعرفوا جيدًا أن الذهب مخزن قيمة، والأصل فيه الحيازة لا البيع والشراء على الورق، لذلك بات مهمًا أن يتمهلوا ويراقبوا، فقد يكون الانتظار هو المكسب..