تداولت الأوساط الثقافية مؤخرا أنباء عن وضع الشقة التي كان يقيم بها نجيب محفوظ تحت تصرف ملاك العقار الذي توجد به الشقة، حسب تصريح أم كلثوم نجيب محفوظ، وعلى الرغم من أن هذا حق قانوني وأصيل للعائلة لا نقاش فيه، فإن الخبر يفتح الباب أمام سؤال يتجاوز حدود الملكية الخاصة إلى فضاء الملكية العامة والتراث الوطني: لماذا لا تتحول بيوت كبار المبدعين في مصر إلى مزارات ثقافية؟
إن الاحتفاء العملي بنجيب محفوظ لا يجب أن يقتصر على الندوات والمهرجانات السنوية، بل يجب أن يمتد ليشمل الحفاظ على المساحات المادية التي شهدت إنتاجه الفكري، ومن هنا يبدو تحويل منزله إلى مزار نوعا من التكريم الذي يليق بمكانته الدولية، والاحتفاظ بأثره في نفوس محبيه، حيث يمنح الباحثين والقراء فرصة لمعايشة الأجواء التي خرجت منها "الثلاثية" و"أولاد حارتنا"، ويمثل هذا النوع من الاحتفاء قيمة مضافة حقيقية؛ فهو يحول السيرة الذاتية للأديب من مجرد سطور في الكتب إلى تجربة حية وملموسة تسهم في صياغة الوجدان الثقافي للأجيال الجديدة.
وفي كثير من الدول، نجد أن منازل الأدباء تتحول إلى مؤسسات قائمة بذاتها، ومنها منزل "شكسبير" في بريطانيا، ومنزل "فيكتور هوجو" في فرنسا، ومنزل كافكا في التشيك، ناهيك عن الدول التي تطلق أسماء أعلامها على مراكزها الثقافية في خارج حدودها لتكون جزءا فعالا من قواها الناعمة مثل جوتة الذي أطلق اسمه على المراكز الثقافية الألمانية على مستوى العالم، ولا المركز الهندي المسمى بمولانا أزاد، أو المركز الثقافي التركي المسمى مركز يونس أمرة، وغيرها من النماذج التي تم الحفاظ عليها لتكون جسرا يربط الشعوب بهويتها الوطنية، حيث لم تكن هذه المزارات مجرد جدران، بل هي استثمار في الوعي العام وتعميق للانتماء، ومصدر جذب للسياحة الثقافية.
وهنا يأتي الدور المنتظر للمؤسسات الاقتصادية الوطنية، وتحديدا البنوك المصرية، ولنا في تجارب سابقة دليل على نجاح مثل هذا التعاون، أذكر منذ سنوات، حين توجهت بطلب للأستاذ هشام عكاشة خلال فترة رئاسته للبنك الأهلي، لدعم طبعة خاصة من ترجمة كتاب وصف مصر كاملا، في أثناء الاحتفال باليوبيل الذهبي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وكنت أهدف من هذا الدعم أن يتم تخفيض سعر الكتاب للقارئ العادي، وبالفعل قام البنك بدعم المشروع بما يقرب من خمسة ملايين جنيه، وصدرت طبعة خاصة من الكتاب حاملة علامة البنك الأهلي المصري، وبيعت بنصف تكلفة طباعتها، مما دعاني لتكرار الطلب لدعم معرض القاهرة الدولي للكتاب، وبكل تفهم لدور المؤسسات الوطنية في التنمية الثقافية، قدم البنك دعما بقيمة مليون جنيه، مما أسهم في رفع قيمة جوائز المعرض من خمسة آلاف جنيه إلى 40 ألف جنيه لكل جائزة.، وهي التجربة التي استمرت ونجحت لتؤكد أن البنوك قادرة على إحداث فارق حقيقي في المشهد الثقافي.
إن ميزانيات "التنمية المجتمعية" في البنوك الوطنية يمكن أن تكون هي المخلص لمثل هذه الأزمات، ومن هنا أدعو البنوك الوطنية المصرية للتدخل وشراء منزل صاحب نوبل، وتحويله إلى مزار ثقافي تحت إشراف متخصص، ولا يوجد مانع إطلاقا من أن يضع البنك شعاره على مدخل البيت كنوع من الرعاية والدعاية الإيجابية التي تظهر تقديره للفن والثقافة.
المسألة ليست مجرد إنقاذ بيت، بل هي استثمار طويل الأمد في مشروعات ثقافية تحتاج لدعم مماثل، مثل مشروع "مكتبة الأسرة" أو مزارات المبدعين الآخرين، أو التفتيش عن المواهب الحقيقية المختلفة ورعايتها، حيث إن الثقافة جزء لا يتجزأ من التنمية، وحماية تراث نجيب محفوظ هي حماية لذاكرة مصر التي نفتخر بها أمام العالم.