أكرم القصاص

معرض الكتاب يتسع للكاتب و«الهبّيد» والمدعى والفلوجر!

الجمعة، 30 يناير 2026 10:00 ص


هناك واقع يفرض نفسه دائما فى معرض الكتاب، حيث إن القراء ليسوا شيئا واحدا، إنما أنواع مثلما هم فى الواقع، هناك من يذهب للبحث عن كتاب معين، ومن يذهب ليتابع ويحاول التقاط ما يناسبه، وعلى مدى سنوات - خاصة مع عصر المعلومات - بقيت نفس التيمة مع بعض التغيرات، فقد ظهر من يسمون «البلوجرز» أو المؤثرين، ولكل منهم أعداد من المتابعين يتابعون أعمالهم وفيديوهاتهم، أو ما يقدمونه من محتوى، غالبا ما يسمون «فانز» وهم نسب بعشرات أو مئات الآلاف يذهبون خلف الواحد منهم، نسبة من هؤلاء يذهبون للشهرة وهم من يروجون منتجات هؤلاء، وبالطبع لا يمكن لوم مشهور على شهرته، حتى لو كان «تريند»، وهى ظاهرة اتسعت كثيرا، حيث تجد «بلوجر» أو شاعرا ظهر فجأة، يتحدث ويوقع وسط آلاف، هنا انتقل «البلوجرز» أو «الفلوجرز» إلى المعرض، حملوا معهم نفس مظاهراتهم و«فانزاتهم» وتوابعهم، ومن الصعب أن يجد القارئ العادى معنى فى أغلب كتابات هؤلاء، ومنهم شاعر ظهر قبل خمس سنوات، أو أكثر وكانت حفلات التوقيع تغلق أجنحة كاملة، ومع الوقت اختفى، فقد كان يكتب ما يسمى شعرا وهو ليس بشعر أو نثر أو أى كلام.


وقبل خمس سنوات ذهبت سيدة من المولعين بـ«التريند»، ظهرت بعد يناير، تجمع بين الرقص والحركات وصناعة «التريند»، وتصادمت مع آخرين، وسجنت واعتذرت إلى آخره، لكنها اشتهرت قبل أن تتصادم وتعتزل، المفارقة أنها ذهبت لمعرض الكتاب وأصبحت «تريند» نافس وهزم غيره، ومعها كانت ظواهر المشاهير الافتراضيين، وهى أمور لم تتوقف ولن تنتهى، ضمن ظاهرة موجودة منذ سنوات واتسعت مؤخرا.


بجانب كل أنواع الشعر والرواية والفكر والعلم، هناك كتب تظهر وتفرض نفسها ضمن الأكثر انتشارا، لمرة أو مرات ضمن ظواهر ليست حقيقية ومفارقة، وهناك أحيانا طوابير لتوقيع كتاب لشخص مشهور على مواقع التواصل، وليس معروفا للقراء بشكل عام، ومثل هذه الظواهر تثير نقاشا بلا إجابات، لأنها تولد من الواقع، لأن الزحام فى حفلات توقيع كتاب «نجم التريند»، وهل يمثل رغبة فى التعرف على أفكاره؟ أم أنه ضمن ظاهرة التسويق التى يجيدها البعض بصرف النظر عن القيمة؟ وهذه الظواهر لم تعد جديدة وربما هى موجودة على مر العصور، ولكنها تضاعفت مع «التريند» الذى يصنع من بعض الفارغين قيمة من خلال ما يقدمونه من محتوى أغلبه فارغ، ويحتوى خرافات وبعضه مفيد غالبا لا يجذب قراء، وزبائن «التريند» ههم زبائن «الكتاب التريند»، ليسوا من متابعى الفكرة، إنما هم باحثون عن المشاهير، وهو نفس ما رأيناه فى فرح «بلوجر» تافه، أو غيره من المناسبات التى تضع التفاهم فى براويز، وهى ليست ظاهرة محلية لكنها عالمية، حيث المرض النفسى يتحول إلى عنصر جذب، والكرش لتسويق، والصراخ لنوع من الفنون. طبعا هذا النوع موجود دائما، وتضاعف مع التواصل والخوارزميات التى تتبعها مواقع تكسب من هذا الهراء.


ويظل تأثير الكتاب والمفكرين الكبار مستمرا، وتختفى ظواهر ليحل مكانها، فى عالم افتراضى تتفوق فيه الشائعة على الخبر، والنميمة على الجدية، ومن المهم أن نحاول تفهم ما يجرى من دون تهوين أو تهويل، وبعيدا عن تقسيمات تزعم أن هذه الأجيال أكثر تفهما ومناسبة للعصر، بينما الأمر أعمق من تقسيمات جيلية متنوعة. تنوع اجتماعى واقتصادى.


هناك بالفعل دور تلعبه مواقع التواصل الاجتماعى وكيف تصنع نجوما وتحرقهم، وهذه الظاهرة تتكرر، ويعرفها من يمتلك ذاكرة، وعلى مدار عقود فإن معرض الكتاب يضم آلاف العناوين والكتب من كل التخصصات والأنواع سواء الجادة أو التافهة، المعتدلة والعميقة أو السطحية والمتطرفة، كتب جديدة وأخرى قديمة، وليس شرطا أن يكون الكتاب الأفضل، هم الأكثر شهرة، ربما العكس هو الصحيح، حيث يشتهر بعض من يستطيعون الدعاية وتتحول ندواتهم إلى زحام، بينما يفتقد كبار الأدباء والكتاب إلى جمهور، وفى وقت من الأوقات كانت الكتب الأكثر مبيعا هى كتب الخرافات والخزعبلات والتطرف وقت صعود تيارات تعتنق الأفكار الأكثر تعصبا وظلاما.


المفارقة أن هناك من يحاول استعمال نفس قواعد «التريند» بأن يركب الشهرة، أو يحظى ببعض الأضواء من خلال عمليات ابتزاز ولعب دور ادعاء المعرفة، من خلال هبد افتراضى على مواقع التواصل، أو يسعى البعض لركوب الشهرة من خلال ادعاءات بالمصادرة لكتبه، أو منع حفلاته وتوقيعاته، وهى لعبة لم تعد تخيل على أحد، وأيضا فإن المصادرة أو المحاصرة فعل فاشل لا يمنع الأفكار والكتاب.
الشاهد أن معرض الكتاب يتسع للفكرة والكتاب والتريند والمدعى والحقيقى، والفلوجر والهبيد.

 


 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة