كشف باحثون يعملون في مدينة آشور القديمة في شمال العراق عن أدلة جديدة تُظهر أن أقدم معبد لعشتار قد بُني على طبقة مُجهزة بعناية من الرمال المستوردة، مما يوفر نظرة جديدة على الممارسات الطقسية المبكرة فى بلاد ما بين النهرين وأصول عبادة المعبودات.

أطلال أسوار مدينة آشور القديمة شمال العراق
جاء هذا الاكتشاف نتيجة دراسة معدنية دقيقة للرمال المدفونة تحت أساسات المعبد، وقد نُشر البحث، الذي قاده مارك الطويل، في مجلة "تقارير العلوم الأثرية"، ويُعد هذا الاكتشاف أول تحليل معدني منهجي للرمال المعمارية يُجرى على الإطلاق في موقع أثري بالعراق، وفقا لما نشره موقع greekreporter.
عُثر على الرمال أثناء أعمال الحفر داخل الحجرة المركزية للمعبد، تحت أقدم الجدران الحجرية، وجد الباحثون طبقة سميكة ونظيفة من الرمال الصفراء، لم تتطابق هذه الرمال مع التربة المحلية، كما لم تظهر عليها أي آثار لفيضان نهري طبيعي أو تآكل، هذا استبعد الترسيب العرضي، بل تشير الأدلة إلى وضع متعمد لها.
أساس طقسي تحت أقدم معبد في آشور
يقع المعبد في آشور، التي كانت ذات يوم القلب السياسي والديني للدولة الآشورية، ورغم التنقيب عن العديد من المباني في الموقع منذ أوائل القرن العشرين، إلا أن أعمق طبقات معبد آشور الرئيسي لا تزال عصية على الوصول، وهذا ما يجعل معبد عشتار أقدم مزار في الموقع يمكن لعلماء الآثار دراسته مباشرة.
يشير التأريخ بالكربون المشع للفحم المستخرج من أرضية مبنية مباشرة فوق طبقة الرمل إلى أن البناء يعود إلى ما بين 2896 و2702 قبل الميلاد، وهذا يدفع بتأسيس المعبد إلى وقت أبكر مما افترضه العديد من العلماء ويتوافق بشكل أوثق مع تواريخ أوائل الألفية الثالثة التي اقترحها المنقب الأصلي للموقع، والتر أندري.
ولأن أقدم طبقات الاستيطان في آشور تم الوصول إليها في هذا المعبد، فإن التاريخ الجديد يعيد تشكيل الجدول الزمني لأول مستوطنة في المدينة.
في جنوب بلاد ما بين النهرين، كان وضع الرمال النظيفة تحت المعابد ممارسة طقسية معروفة، تصف النصوص القديمة الرمال بأنها مادة مطهرة، مناسبة لتحضير الأرض المقدسة، وحتى الآن، لم يُوثَّق هذا التقليد في شمال بلاد ما بين النهرين. ويُعدّ معبد عشتار أول مثال واضح على ذلك.
وكشف التحليل المعدني أن الرمال لم تُجلب من الجنوب، بل يُرجح أنها أتت من كثبان رملية مجاورة تشكلت بفعل الرياح من رواسب حجر رملي أقدم، ويشير التركيب المعدني إلى أصل مرتبط بجبال زاغروس، حيث نُقلت الرمال بشكل طبيعي عبر الزمن ثم جُمعت بواسطة البناة.
ويحتوي الرمل على معادن مميزة تشكلت تحت ضغط عالٍ في البيئات الجبلية، هذه المعادن غائبة عن رمال الأنهار قرب آشور. وهذا يدل على أن البناة اتخذوا خياراً واعياً، متجنبين المواد المتوفرة بسهولة على طول نهر دجلة.
ما يكشفه الرمل عن المعتقدات
يحمل هذا الاكتشاف أهمية ثقافية، فقد عُبدت عشتار في جميع أنحاء بلاد ما بين النهرين، لكن العلماء اختلفوا طويلاً حول ما إذا كانت عبادتها في آشور نابعة من التقاليد الجنوبية أم أنها تطورت محلياً، في الجنوب، كانت تُعرف باسم إنانا، أما في الشمال والمناطق الجبلية المجاورة، فقد عُبدت معبودات مماثلة بأسماء حورية.
يشير الاستخدام المتعمد للرمل النظيف طقسياً إلى معرفة بتقاليد المعابد الجنوبية. وفي الوقت نفسه، قد يشير الأصل الإقليمي للرمل إلى وجود صلات مع المناظر الطبيعية الثقافية الشمالية أو الشرقية.
معبد منعزل
لم تكشف عمليات الحفر تحت المعابد الرئيسية الأخرى في آشور عن طبقات رملية مماثلة، مما يجعل معبد عشتار فريدًا من نوعه، ويبدو أن تصميم أساساته كان مقصودًا واستثنائيًا.