لقد تبدلت الأحوال رأساً على عقب، ووجدنا أنفسنا نعيش صلة رحم غريبة الأطوار في زمن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، لقد أصبح السؤال عن الأهل مجرد رسالة عابرة على "جروبات" العائلة، وباتت المتابعة والاطمئنان تتلخص في "لايك" سريع يوضع على صورة، وكأننا نؤدي واجباً ثقيلاً لا صلة فيه للأرواح.
لقد تحولت مشاعرنا الإنسانية العميقة إلى مجرد أيقونات صماء؛ فالفرح أصبح "إيموشن" ضاحكاً، والحزن بات "إيموشن" باكياً، وغاب التفاعل الإنساني الحي الذي كان يمنح المواقف معناها الحقيقي.
لقد أصبحنا نتعامل مع أجهزة صماء أكثر مما نتعامل مع بعضنا البعض، حتى صار الجفاء هو اللغة السائدة في هذا العصر المتسارع.
في زمن الذكاء الاصطناعي، غابت "لمة العائلة" واندثر دفء الأسرة الذي كان يملأ البيوت ضجيجاً محبباً، وأصبحنا لا نلتقي إلا في الفضاءات الرقمية، وغابت تلك المائدة التي كانت تجمعنا لنتبادل عليها الأحاديث والمشاعر قبل أن نتشارك الطعام.
وحتى حين نخرج معاً، نجد أن كل فرد منا ينشغل بهاتفه الخاص، وكأننا جزر معزولة في بحر من الإشارات والترددات؛ فصار الاهتمام بتصوير اللحظة أهم من الاستمتاع باللحظة ذاتها، وبات تصوير الطعام ومشاركته على المنصات أهم من التلذذ بطعمه برفقة من نحب.
إننا نشتاق، وبشدة، إلى أن تعود صلة الرحم بمفهومها التقليدي الطبيعي، بعيداً عن زيف الفلاتر وخداع الخوارزميات.
نتمنى أن نتواصل ونلتقي فعلياً، أن تشاهد "الوشوش" بعضها البعض فتلمح في العيون صدق المحبة أو بريق الشوق، وأن نتحدث من القلب إلى القلب، لا من خلف كاميرات الهواتف المحمولة التي شوهت عفويتنا.
إن الروح الإنسانية لا تشبعها رسائل "الواتساب" ولا تغنيها مكالمات الفيديو عن لمسة يد حانية أو جلسة صفاء تحت سقف واحد.
لقد آن الأوان أن نستعيد إنسانيتنا من قبضة الآلة، وأن ندرك أن الذكاء الاصطناعي مهما تطور، لن يستطيع أبداً أن يبتكر خوارزمية واحدة تضاهي دفء حضن عائلي أو صدق دعوة تخرج من قلب محب في لقاء مباشر.