نحن نعيش في عالم الأواني المستطرقة، الكل يؤثر في الكل، ما يحدث في أي منطقة في العالم يؤثر على الآخرين، فجميع الباحثين والمفكرين وأصحاب الرأي في عالم الفضاء الإلكتروني يمتلكون رؤية وحجة علمية ووطنية، ولا يستطيعون التواصل المباشر عبر المنابر الإعلامية لأن أغلبها يبحث عن "الترند" وحقوق الرعاية الإعلانية، وتكمن المعضلة في وجود خوادم المنصات الإلكترونية في دول تتعارض مصالحها مع الأمن القومي العربي.
إن الأنظمة السياسية في العالم تشهد تحولات وتحديات جيوسياسية متسارعة ومعقدة، فلغة القوة غلبت لغة الدبلوماسية في خطابات بعض قادة القوى الكبرى، ولم تعد المنظمات الدولية والقوانين الدولية فاعلة ما لم تكن برغبة الدول الكبرى صاحبة الفيتو في مجلس الأمن، وهناك بعض القوى تفرض إرادتها خارج القانون الدولي.
وفي مصر المحروسة تدار السياسة الخارجية بحكمة واقتدار وعلم مع الأخذ بالأسباب، في ظل اصطفاف وطني تتحطم عند أقدامه مخططات تتعارض مع مصالح الأمن القومي المصري.
ومنذ قيام ثورة 30 يونيو وتعمل القيادة السياسية على بناء الجمهورية الجديدة لتكون جمهورية مصر العربية نموذجاً للدولة الديمقراطية المدنية الحديثة وفق آليات علمية وحضارية تسعى لتحقيق التوازن بين شرعية الحكم وكفاءته، وبين الهوية الجماعية والحرية الفردية، وشعار "تحيا مصر" دليل على الهوية الجماعية للجمهورية الجديدة، وهذا المصطلح ليس مجرد شعار سياسي بل بناء نظري متكامل له أبعاده العلمية والأكاديمية الواضحة وله تجلياته التطبيقية الملموسة، فالحفاظ على الوطن وإعطاء حقوق المواطن يمثل نموذجاً ومحاولة لتوحيد المفهوم في شكل وطبيعة وصياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع وفق مبادئ العقلانية والعدالة والمساواة في الجمهورية الجديدة، ووفق إطار يتلاءم مع تعقيدات العصر ويتجاوز الصيغ التقليدية للحكم.
ولتبسيط ما أقول دون تهويل أو تقليل أو تطبيل سوف نقوم بتحليل المكونات الأساسية لمصطلح الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة في ظل الجمهورية الجديدة وفلسفة الحكم فيها "تحيا مصر" وفق العلوم الحديثة.
فاستعراض مدلولات هذا المصطلح المركب على أرض الواقع بعيداً عن الشعارات البراقة والوعود الكاذبة في ظل التحديات التي تواجه تحقيقه فرض عين تفرضه على الأمانة العلمية كوني باحثاً أكاديمياً، مع مراعاة أن أقدم لحضراتكم رؤية واضحة وشاملة ومحايدة للمفهوم كحلم حضاري منشود يحقق أحلام جميع المصريين في بناء دولتهم الحديثة.
في البداية لا بد أن نوضح المصطلح العلمي والأكاديمي للدولة الديمقراطية المدنية الحديثة "الجمهورية الجديدة":
1. الدولة المدنية (Civil State)
حلم كل المثقفين والبسطاء على حد سواء، فالدولة المدنية العلاقة فيها بين القيادة السياسية والمواطنين تقوم على احترام الدستور والقوانين الوضعية مع تطبيقه على الجميع بحيث تكون السيادة للشعب.
مع حتمية الحفاظ على الثوابت الأساسية لفلسفة الحكم وهي:
• فصل الدين عن الدولة مع احترام الحريات الدينية للأفراد.
• وسيادة القانون والدستور.
• والمساواة الكاملة بين المواطنين بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس.
• واحترام جميع حقوق الإنسان.
2. الديمقراطية (Democracy)
بحيث تكون السلطة العليا للشعب، يمارسها بشكل مباشر أو غير مباشر عبر ممثلين منتخبين بحرية ونزاهة، ونرى تعديل مسار الانتخابات النيابية عبر القنوات الشرعية احتراماً وتقديراً للرأي العام لتكون العملية الديمقراطية عبر انتخابات حرة ونزيهة في ظل تعددية سياسية وحزبية تضمن جميع الحقوق وتحافظ على الفصل بين جميع السلطات وتوازنها.
3. الحداثة (Modernity)
فنجد القيادة السياسية في ظل الجمهورية الجديدة تستطيع أن تقرأ المشهد الإقليمي والدولي بصورة متوازنة وعقلانية بما يتلاءم مع مستجدات العصر في التنظيم السياسي والإداري والمعرفي والتكنولوجي، وأعتقد أن التقدير والاحترام الذي تحظى به القيادة السياسية في جميع المحافل الدولية وآخرها مؤتمر دافوس دليل على تطور وحداثة النظام السياسي في ظل الجمهورية الجديدة.
وقبل أن تختلف مع كلامي من منظور الحب والكره نرى مظاهر الحداثة في النظام السياسي المصري في ظل الجمهورية الجديدة عبر تطبيق القيادة السياسية للشفافية عبر جميع مؤسسات الدولة، ومع الحوكمة بحيث تتكامل السياسات مع المنظومة الدولية كي تحافظ الدولة على قدرتها في مواجهة التحديات المعاصرة.
المدلول التطبيقي للمصطلح:
1. على مستوى النظام السياسي: يوجد دستور دائم يُحدد صلاحيات جميع السلطات ويفصل بينها ويضمن الحقوق، ويضمن شفافية الانتخابات البرلمانية بما يضمن تمثيل ومشاركة المواطنين في صنع القرار عبر نوابهم، ومنذ أن تولى السيد الرئيس حكم البلاد ويحافظ سيادته على استقلالية القضاء وسيادة القانون ويتعهد بتداول سلمي للسلطة عبر آليات انتخابية.
2. وعلى مستوى المجتمع: تعمل الدولة المصرية جاهدة على تشجيع المشاركة بين الدولة والمجتمع المدني في ظل استقلالية وحرية إعلامية منضبطة في طرح القضايا المجتمعية عبر الرأي والرأي الآخر بما يحافظ على الأمن القومي المصري في ظل المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات مع قبول التنوع والتعددية.
3. وعلى مستوى العلاقات الدولية: النظام السياسي المصري في ظل الجمهورية الجديدة يلتزم بالمواثيق والمعاهدات الدولية، ويحترم مبادئ القانون الدولي، ويرحب بالتبادل الثقافي والعلمي.
إن التحديات الفعلية التي تواجه بناء الجمهورية الجديدة تتمحور حول الموازنة بين الخصوصية الثقافية والمبادئ العالمية، بحيث تحقق التنمية المستدامة مع الحفاظ على الديمقراطية، فالقدرة على مواجهة الانفلات والشعارات الرنانة التي تجذب البسطاء وتعمل على الاستقطاب السياسي دون الأخذ في الاعتبار المصالح العليا للوطن يتم الحد منها بالحوار والشفافية، إن التعهد بضمان المشاركة الفعالة لكافة فئات المجتمع واتخاذ القرار بالقضاء على الفساد المتفشي قبل ثورة 30 يونيو وكذلك شبكات المصالح الراسخة بواسطة القانون.
ختاماً يمثل نموذج "الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة" في ظل الجمهورية الجديدة بعد ثورة 30 يونيو رؤية متكاملة لتطوير الكيانات السياسية المعاصرة، بحيث تجمع بين الأسس الفلسفية الرصينة والمتطلبات العملية للإدارة الفعالة، فبناء الجمهورية الجديدة ليس هدفاً ثابتاً نصل إليه فنتوقف، بل هو عملية تحول مستمرة تتطلب استمرار الإرادة السياسية والاجتماعية مع الأخذ في الاعتبار أن الحفاظ على ذلك يتطلب إصلاحاً مؤسسياً عميقاً تعمل الدولة على تحقيقه، وفي ظل تلك السياسات محتم على الدولة دعم وجود نخبة ثقافية مدنية متجددة معيار وجودها العلم والقدرة على قراءة المشهد الإقليمي والدولي لتكون ضمن أدوات نشر الوعي والثقافة بين جميع المواطنين.
إن التحديات التي تواجه بناء الجمهورية الجديدة - بدءاً من الموازنة بين الحفاظ على خصوصية المجتمع في ظل العولمة، وصولاً إلى مكافحة الفساد المؤسسي - ليست هينة، لكنها ليست مستحيلة، والنجاح في بناء الجمهورية الجديدة لا يعتمد فقط على تصميم المؤسسات الدستورية والقانونية بشكل سليم، دون ترسيخ قيم المواطنة الفاعلة، والمسؤولية المجتمعية والمحاسبة والشفافية. إن مسار البناء معقد وطويل ويحتاج الصبر والحكمة والعمل وتقوى الله سبحانه وتعالى، وسيظل حلم بناء الجمهورية الجديدة بعد ثورة 30 يونيو في ظل القيادة السياسية الرشيدة للرئيس عبد الفتاح السيسي مساراً ضرورياً لتحقيق الاستقرار والعدالة والتنمية المستدامة، من أجل تأسيس مجتمع يحقق أحلام الأجيال الجديدة ويتسع للجميع في ظل حقوق متساوية وكرامة مصانة.. ودائماً أردد مبادرتي البحثية "معاً نستطيع دولة ومجتمع مدني للارتقاء بجودة الحياة" (التجذر الحضاري) كمعاول بناء يختصر فلسفة الجمهورية الجديدة.