منذ نحو عشر سنوات كتبت مقالًا عن ضرورة أن يعقد مؤتمر أدباء مصر في مدينة العريش، لا بوصفها مدينة على الهامش، بل باعتبارها قلبًا نابضًا من قلوب الوطن، ومكانًا يملك من الرمزية والتاريخ والإنسان ما يؤهله لأن يكون مركزًا للوعي الثقافي لا طرفًا بعيدًا عنه، كنت أريد القول بأن وجود المثقفين في هذه الأيام ضرورة ورسالة مهمة وجب عليهم أن يقوموا بها، ويومها تلقيت اتصالًا من أحد الأساتذة المسؤولين عن المؤتمر، شكرني فيه على الاهتمام، وأخبرني أنهم تقدموا بطلب رسمي إلى المحافظة، وأنني سأكون من أوائل المدعوين للمشاركة، لم تسمح الظروف آنذاك، لكن الفكرة ظلت حية، وقد تراكم معناها وراحت تنتظر لحظتها.
وبعد سنوات، ذهبت إلى العريش مكرَّمًا فى مؤتمر أدباء مصر، وشاهدًا على تحقق فكرة طالما آمنت بها، أربعة أيام قضيتها في المدينة كانت كافية لأن تعيد ترتيب الصورة في ذهني، فسيناء صارت أفقًا مفتوحًا لمستقبل مصر، بما تحمله من طاقة إنسانية، وقدرة على النهوض من جديد.
العريش مدينة تعرف كيف تصون كرامتها بهدوء، والسلام الذي يعيشه أهلها اليوم لم يأت من فراغ، ولم يكن هدية مجانية، فقد دُفع ثمنه صبرًا وتحمّلًا، ووعيًا بطبيعة اللحظة التاريخية، لهذا يبدو هذا السلام مستحقًا، ويليق بأهلها الذين حافظوا على حياتهم اليومية، وعلى فكرة الوطن، في أصعب الأوقات، ما رأيته هناك لم يكن مظاهر احتفال فقط، بل إحساسًا عميقًا بأن الناس تعرف قيمة ما لديها، وتحرسه دون ادعاء.
في ختام المؤتمر، بحضور الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة، واللواء خالد مجاور محافظ شمال سيناء، كانت الكلمات التي قيلت تتجاوز المجاملات المعتادة، محاضرة المحافظ عن المخاطر التي تحيط بمصر، وكيفية الوقوف في مواجهتها، كشفت عن فهم حقيقي لتعقيد اللحظة، وعن استعداد الدولة للتعامل مع تحدياتها بوعي لا ينفصل عن الواقع، لم يكن الحديث خطابًا إنشائيًا، بل قراءة مسؤولة لمشهد إقليمي مضطرب، تدرك فيه سيناء موقعها ودورها، لا كخط دفاع فقط، بل كجزء أصيل من معادلة التنمية والاستقرار.
أما الصحبة التي جمعتنا في هذه الأيام، من أدباء ومثقفين وإعلاميين، فقد كانت دليلًا آخر على أن الروح المصرية لا تكف عن الحلم، في النقاشات الجانبية، وفي الجلسات المفتوحة، وفي تفاصيل الحياة اليومية، كان الإيمان حاضرًا بأن ما مررنا به لم يكن عبثًا، وأن ما نملكه من قدرة على التماسك أكبر من كل محاولات التفتيت، هذه الروح، حين تجد من يحتضنها، تتحول إلى طاقة بناء حقيقية.
أما تكريمي في العريش فلم أره لحظة احتفاء شخصية، بقدر ما رأيته مسؤولية إضافية، أنا كاتب اخترت منذ البداية أن أكون منحازًا للإنسان، وللثقافة بوصفها فعلًا دفاعيًا عن المعنى. أن أُكرم في مدينة عرفت الألم، وتجاوزته، يعني أن الكتابة ليست رفاهية، بل موقف، وأن الكلمة، حين تقال في مكانها، يمكن أن تكون مشاركة حقيقية في صناعة المستقبل.
وخرجت من هذه التجربة مؤمنا بأن شمال سيناء ليست مجرد جغرافيا، بل فكرة، فكرة عن مصر التي تعرف كيف تحمي نفسها دون أن تفقد إنسانيتها، وكيف تواجه المخاطر دون أن تتخلى عن حلمها، من العريش خرجت أكثر يقينًا بأن المستقبل لا يُصنع في المراكز وحدها، بل في الأطراف التي تحولت، بفعل الصبر والعمل، إلى مراكز جديدة للقدرة على الفعل.
إن مدينة العريش بما تمتاز به من هدوء وجمال في انتظار أن نزورها وأن تصبح وجهة سياحية داخلية وخارجية، وهي تستحق ذلك.