حسين حمودة

ذوبان الهوية النوبية.. قراءة فى روايتين ـ 1

السبت، 03 يناير 2026 07:00 ص


أولا: مداخل:

كيف تم التعبير عن "الهوية النوبية" فى أعمال كتّاب ينتمون إلى أصول نوبية ولكنهم ولدوا وعاشوا فى مدن بعيدة عن النوبة؟

كيف صيغت الهوية النوبية عبر ذاكرة بعيدة، وربما غائمة؟

كيف تحولت الهوية النوبية فى عالم جديد، مدينىّ، بعيد عن النوبة، وإلى أى حدّ تداخلت ـ أو ذابت ـ فى هوية أكبر؟

هل لا تزال تصورات النوبييين الأجداد ماثلة فى تصورات أحفادهم؟ أين تلتقى هذه التصورات وتلك، وأين تتباعد؟

**

للإجابة عن هذه الأسئلة، وما يشبهها من أسئلة أخرى، تتوقف هذه القراءة عند روايتين، لكاتبة هى "سمر نور"، ولكاتب هو "ياسر عبداللطيف"، وهما ينتميان إلى أصول نوبية، ولكنهما ولدا وعاشا فى العاصمة المصرية، القاهرة، وفي هذه المدينة تشكّل وعيهما، وتمثلت تجاربهما، وتكوّنت معارفهما، وبها أيضا ارتبطت كتابتهما.

فى رواية ياسر عبد اللطيف (قانون الوراثة)، الصادرة عام 2002، يتوقف الراوى ـ وصوته يتقاطع وصوت الكاتب ـ عند شخصيات بعينها، مثل جدّه ومجايليه، ممن ارتحلوا، فى العقود الأولى من القرن العشرين، من النوبة إلى مدينة القاهرة، العاصمة التي ظلت عبر تاريخ طويل تمثّل "النواة" الأساسية فى "البنية المركزية" للتكوين المصرى.

يطلّ الراوى، من زمنه المتأخر، على تجارب هؤلاء الشخوص في أزمنتهم، ويرصد كيف ذابت، شيئا فشيئا وفترة بعد أخرى، انتماءاتهم البعيدة إلى المكان النوبى الأول وتأثرت بانتماءات أخرى داخل المدينة، وكيف تقطّعت صلتهم باللغة النوبية الأولى وحلت محلها روابط جديدة بلغة أو بلغات أخرى. وكيف تداخلت تصوراتهم وأعرافهم وتقاليدهم القروية القديمة فى تصورات وأعراف وتقاليد "مدينية" مختلفة. وترصد الرواية هذه التحولات كلها بنزوع تفصيلى، يكاد يكون توثيقيا؛ إذ يحتفى سرد الرواية بالشخصيات المرجعية المسمّاة، وبالأماكن وبالأزمنة المرجعية المحددة.

وفى رواية سمر نور (محلك سر)، الصادرة عام 2013، يتم الذهاب إلى مدى أبعد فى التعبير عن التحولات التى طرأت على الهوية النوبية داخل المدينة، أو يتم، بشكل أوضح، تجسيد درجة أكبر فى تجربة قطع الروابط بين أهل النوبة فى المدينة وموطنهم الأول القديم: لم يعد باقيا من عالم النوبة داخل مدينة القاهرة، ولم يعد باقيا من ملامح الانتماء إليها، غير "جمعية خيرية" كانت تتردد عليها الشخصية المحورية بالرواية فى طفولتها. وهذه الشخصية المحورية، الآن، فى زمن قد تباعدت فيه عن الطفولة، أصبحت تستعيد أو تستدعى ـ بقدر من الصعوبة ـ بعض ملامح باهتة شاحبة لشخصيات "سمراء" أو "سوداء" اللون، كانت تتردد على تلك الجمعية. وفضلا عن هذا، يشير سرد الرواية إلى العنوان المحدد لمقر هذه الجمعية، بالقاهرة، دون أن يسمّيها. وهكذا تصوغ الرواية الروابط بالعالم القديم خلال ذاكرة بعيدة، وبنوع من الحرص على الابتعاد عن أى بعد مرجعى، وهكذا تبدو "الهوية النوبية"، فى هذه الرواية، وقد ذابت ـ تقريبا ـ فى هوية أخرى أكبر، أو تمّ احتواؤها داخل هذه الهوية الأكبر.

خلال تحليل الروايتين، تحاول هذه القراءة أن ترصد تغيّر صورة الهوية النوبية منذ عقود القرن العشرين الأولى، وحتى فترة الثمانينيات من القرن العشرين وما بعدها، وهى الفترة الزمنية التى تركز عليها هاتان الروايتان، والتى تستعيدان انطلاقا منها فترات زمنية أقدم.

**
وقبل التوقف عند هاتين الروايتين يمكن تقديم مجموعة من الإشارات التمهيدية:

ـ للهوية محدّدات وعوامل كثيرة، يصعب حصرها ، ولكن المهم من هذه المحدّدات والعوامل، في هذا البحث، مجموعة المكوّنات الثقافية والاجتماعية واللغوية التي ترتبط بها جماعة بعينها، هي هنا جماعة النوبيين الذين انتقلوا من موطنهم الجنوبي إلى مدينة القاهرة. ويتصل بهذه المكونات بعض العادات والتقاليد والإبداعات ولون البشرة ، كما يتصل بهذا بعض الروابط التي تربط أفراد هذه الجماعة فتجعلهم يسلكون، في المدينة، بروح الفريق، فيعاون بعضهم بعضا، في مواجهة علاقات عالم المدينة التي تبدو ـ أحيانا أو غالبا ـ طاردة للوافدين من خارجها.

ـ هجرات النوبيين، أفرادا أو جماعات، إلى القاهرة/العاصمة، هجرات متتالية، تاريخيا. بعضها يتعلق بأن العاصمة/القاهرة، في التكوين المصري، ظلت دائما مركز جذب لأعداد هائلة من الريف ، وبعضها يرتبط بأسباب خاصة بأوضاع النوبة نفسها، التي شهدت مجموعة من الهجرات الكبيرة المتتالية خلال عقود القرن العشرين: بعد خزان أسوان عام 1905، ثم التعليّة الأولى للخزان عام 1912، ثم التعلية الثانية عام 1933، ثم بعد بناء السد العالي عام 1964 . والروايتان، موضع التحليل [ورواية (قانون الوراثة) خصوصا]، تتوقفان عند فترة تاريخية مرجعية تمتد خلال عقود طويلة من ذلك القرن العشرين، كما أشرت.

ـ هناك بعض البديهيات التي تثيرها قضية البحث عن الصلات بين العالم الروائي، عموما، وبين ما يشير إليه خارج الكتابة الروائية. وهذه القضية موصولة بالعلاقة بين التخييلي الروائي، من جهة، والتاريخي المرجعي، من جهة أخرى. فالرواية، كلّ رواية، تتصادى فحسب مع الوقائع والحقائق التاريخية خارجها، وقد تلوح هذه الوقائع والحقائق [المرتبطة، في حالتنا هنا، بتجربة النوبيين في القاهرة] داخل العمل الأدبي وقد خضعت لقوانين هذا العمل الإبداعية، وصيغت خلال لغته وأدواته الفنية، وتشكلت عبر خصوصية لغته.. إلخ، أي أن هذه الوقائع والحقائق، في النهاية، تأتي خلال منظور خاص، قد يرتبط بالتخييل وبالأحلام وبالرؤى وبالتصورات الفردية المرتبطة بمبدع/بمبدعة العمل الروائي، أو بشخصياته المتنوعة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة