محمد الجالى يكتب: مؤتمر شرم الشيخ للسلام.. نجاح منقطع النظير للدبلوماسية الرئاسية المصرية فى «قمة القرن».. المكسب الأكبر فى إعادة ترسيخ حقيقة بات العالم يدركها بأن السلام بالمنطقة لا يمكن أن يمر إلا من القاهرة

السبت، 03 يناير 2026 08:30 ص
محمد الجالى يكتب: مؤتمر شرم الشيخ للسلام.. نجاح منقطع النظير للدبلوماسية الرئاسية المصرية فى «قمة القرن».. المكسب الأكبر فى إعادة ترسيخ حقيقة بات العالم يدركها بأن السلام بالمنطقة لا يمكن أن يمر إلا من القاهرة مؤتمر شرم الشيخ للسلام.. نجاح منقطع النظير للدبلوماسية الرئاسية المصرية فى «قمة القرن»

كانت سنة 2025 أكثر السنوات من حيث الظروف الإقليمية الصعبة، جبهات من نار على كل الحدود والاتجاهات الاستراتيجية للدولة المصرية، ومع تصاعد العدوان على قطاع غزة وتهديده بالتحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، برزت مصر، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، بوصفها الدولة الوحيدة القادرة على إعادة ضبط المشهد، وتحويل مسار الأحداث من منطق الحرب المفتوحة إلى أفق التهدئة السياسية، وجاء مؤتمر شرم الشيخ للسلام ليجسد هذا الدور، كنتاج لمسار سياسى وأمنى بالغ التعقيد، أدير بعقل الدولة وبمنطق المسؤولية التاريخية.

لم يكن مؤتمر شرم الشيخ للسلام حدثًا دبلوماسيًا كبيرًا فقط، بقدر ما هو ثمرة جهد قاده رجال مخلصون آمنوا بدور الدولة المصرية ومسؤوليتها التاريخية، رجال عملوا فى صمت، وأداروا التفاصيل الدقيقة باحتراف، فنجحوا فى أن تتصدر مصر المشهد الإقليمى من جديد، لا بالفرقعة الإعلامية ودغدغة المشاعر، بل بثقل الدولة وقدرتها على جمع المتناقضات وصياغة التوافق فى أكثر اللحظات التى تمر بها القضية الفلسطينية والمنطقة تعقيدًا.

للاطلاع على العدد الخاص بدبلوماسية الرئيس السيسى اضغط هنا..

وجاء انعقاد مؤتمر شرم الشيخ للسلام تتويجًا لتحرك مصرى مبكر، حيث أدركت الدولة المصرية منذ اللحظة الأولى أن استمرار الحرب فى قطاع غزة لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يفتح الباب أمام تفكك أوسع فى منظومة الأمن الإقليمى، ومن هنا، تحركت القاهرة وفق رؤية واضحة ومتكاملة، تستند على احتواء التصعيد، ومنع التهجير القسرى أو الطوعى، وحماية ثوابت القضية الفلسطينية، دون الانزلاق إلى شعارات أو مغامرات غير محسوبة.

 


إن اختيار مدينة شرم الشيخ فى جنوب سيناء لانعقاد المؤتمر، كان رسالة سياسية مقصودة، فالمدينة التى ارتبط اسمها تاريخيًا بمسارات السلام، عادت لتؤكد أن مصر ما زالت تمتلك القدرة على توفير مساحة آمنة للسياسة، فى وقت تتآكل فيه الثقة وتضيق فيه قنوات الحوار، وقد وفرت مصر بيئة محايدة ومؤمّنة بالكامل، سمحت لجميع الأطراف الإقليمية والدولية بالتحرك بحرية واطمئنان، وعقد اللقاءات الرسمية وغير الرسمية بعيدًا عن الضغوط والتهديدات.


هذا المناخ الآمن لم يكن ليتحقق دون الدور المحورى للدولة المصرية بقيادة الرئيس السيسى، من خلال إدارة شبكة اتصالات شديدة التعقيد، والتنسيق بين أطراف متناقضة المصالح، وضمان انسياب الحوار دون انقطاع، وهو ما يؤكد قدرة الدولة المصرية على الضغط والتأثير لما تملكه من أوراق فى معادلة أمن واستقرار الإقليم، وكذا لقدرتها على بناء الثقة، وتقديم الضمانات، ومنع انهيار المسار التفاوضى فى أكثر لحظاته حساسية.

 

الرئيس السيسى قائد عملية سياسية كاملة

فى قلب هذا المشهد، برز دور الرئيس السيسى بوصفه قائد عملية سياسية كاملة، وليس فقط راعيًا لمؤتمر دولى، فقد أدار الرئيس السيسى بنفسه سلسلة مباحثات مكثفة مع قادة الدول المشاركة، ركزت على محددات واضحة هى « وقف فورى لإطلاق النار- رفض التهجير- التأكيد على أن أى ترتيبات مستقبلية يجب أن تحافظ على جوهر القضية الفلسطينية».
واتسمت هذه المباحثات بالصراحة والحسم، وابتعدت عن المجاملات الدبلوماسية المعتادة، وهو ما منحها مصداقية عالية لدى الأطراف المختلفة، والأهم أن الرئيس السيسى قدّم نفسه فى هذه اللقاءات باعتباره ممثلًا لدولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كذلك حدود الممكن، دون التفريط فى ثوابتها.

 

قمة السيسى - ترامب القاهرة مفتاح التهدئة

اكتسبت المباحثات التى جمعت الرئيس السيسى بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب أهمية خاصة، ليس فقط بحكم ثقل البلدين والرئيسين، بل لأنها عكست إدراكًا دوليًا بأن القاهرة هى مفتاح التهدئة فى غزة. حيث تناول اللقاء سبل تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان استدامته، ومنع أى محاولات لإعادة إشعال الموقف، إلى جانب بحث أفق سياسى أوسع يضع حدًا لدورات العنف المتكررة.
وجاء الطرح المصرى فى هذه المباحثات من موقع الندّية السياسية، مستندًا إلى قراءة دقيقة للواقع الميدانى، وخبرة طويلة فى هذا الملف، ما عزز قدرة القاهرة على التأثير فى مواقف القوى الكبرى، وليس مجرد التفاعل معها.

 

اتفاق وقف النار فى غزة إطار سياسى جامع وفره مؤتمر شرم الشيخ

جاء التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار فى قطاع غزة نتيجة مسار مصرى تراكمى بدأ بالاتصالات الثنائية، مرورًا بالتهدئات المؤقتة، ووصولًا إلى الإطار السياسى الجامع الذى وفره مؤتمر شرم الشيخ للسلام، حيث اعتمد هذا المسار على إدارة دقيقة للتوازنات، والأهم أن الاتفاق حمل فى طياته رسالة سياسية أشمل تؤكد أن مصر لا تزال قادرة على جمع المتناقضات، وأن دورها لم يتراجع رغم تغير موازين القوى الدولية، بل تعزز بفعل ثبات الموقف ووضوح الرؤية.
لقد كشف مؤتمر شرم الشيخ للسلام عن تحول نوعى فى أداء السياسة الخارجية المصرية، التى انتقلت من إدارة الأزمات إلى التأثير وصناعة التوازنات، فالقاهرة لم تتحرك فقط لإيقاف الحرب، بل لإعادة ضبط معادلة الإقليم، ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة، سواء عبر التهجير أو تغيير الخرائط السياسية، وهو الدور الذى لا ينفصل عن رؤية أشمل لإدارة ملفات الإقليم، من ليبيا إلى السودان، ومن شرق المتوسط إلى ملف السد الإثيوبى، حيث تتحرك مصر وفق منطق حماية الأمن القومى، دون التفريط فى خيار الحلول السياسية.

 

كلمة تاريخية للرئيس السيسى فى حضور ترامب

وجاءت كلمة الرئيس السيسى فى مؤتمر شرم الشيخ للسلام لتشكل الإطار السياسى والأخلاقى الذى انتظمت داخله أعمال القمة، حيث قدّم الرئيس قراءة شاملة للحظة التاريخية التى تشهدها المنطقة، مؤكدًا أن التوصل إلى اتفاق شرم الشيخ لإنهاء الحرب فى غزة لا يمثل مجرد توقف لإطلاق النار، بل فرصة حقيقية لإغلاق صفحة دامية فى تاريخ الشرق الأوسط وفتح أفق جديد للسلام والاستقرار.
واستهل الرئيس كلمته بالتأكيد على أن الاتفاق الذى جرى التوصل إليه يعكس إرادة جماعية لإنهاء معاناة شعوب أنهكتها الصراعات، مشددًا على أن السلام لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة إنسانية تفرضها تكلفة الحروب على الجميع دون استثناء، وفى هذا السياق، ثمّن الرئيس الجهود الدولية التى تضافرت من أجل الوصول إلى هذا الاتفاق، معتبرًا أن اللحظة الراهنة تمثل اختبارًا حقيقيًا لصدق الإرادة السياسية فى تحويل التوافق إلى واقع دائم.
وفى كلمته، حرص الرئيس السيسى على إعادة التأكيد على ثوابت الموقف المصرى، وفى مقدمتها أن حل الدولتين يظل السبيل الوحيد لتحقيق الطموح المشروع للشعبين الفلسطينى والإسرائيلى فى الأمن والعيش الكريم، وأن الشعب الفلسطينى، شأنه شأن باقى شعوب المنطقة، له الحق فى تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة التى تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل فى سلام وأمن متبادل.
واستدعى الرئيس السيسى البعد التاريخى للدور المصرى، حيث أن مصر دشنت مسار السلام فى الشرق الأوسط قبل ما يقارب نصف قرن، عندما اتخذت قرارًا شجاعًا بتغليب منطق السلام على منطق الحرب، وأن التجربة أثبتت أن الأمن الحقيقى لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما عبر العدالة والمساواة فى الحقوق، ومن هذا المنطلق، شدد على أن السلام سيظل الخيار الاستراتيجى لمصر، وأن هذا الخيار لا يمكن أن يُبنى إلا على أسس عادلة ومستدامة.

وفى خطابه الذكى، وجّه الرئيس السيسى نداءً مباشرًا إلى الشعب الإسرائيلى، دعا فيه إلى اغتنام هذه اللحظة التاريخية لفتح صفحة جديدة، تقوم على التعايش السلمى والتعاون المشترك، مؤكدًا أن السلام لا تصنعه الحكومات وحدها، بل تبنيه الشعوب حين تقتنع بأن خصوم الأمس يمكن أن يصبحوا شركاء الغد.

كما توقف الرئيس عند مشاهد الارتياح التى عمّت غزة والشارع الإسرائيلى والعالم عقب إعلان الاتفاق، معتبرًا إياها دليلاً واضحًا على أن السلام هو الخيار الطبيعى للشعوب، مهما طال أمد الصراع. وفى هذا الإطار، أكد التزام مصر بالعمل، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، على دعم جهود التعافى المبكر وإعادة إعمار قطاع غزة، من خلال استضافة مؤتمر مخصص لهذا الغرض، يهدف إلى إعادة الحياة إلى القطاع، وتمكين الفلسطينيين من البقاء على أرضهم وبناء مستقبلهم.
واختتم الرئيس كلمته برؤية مستقبلية شاملة، دعا فيها إلى استثمار هذه الفرصة التاريخية - وربما الأخيرة-  لبناء شرق أوسط جديد، يقوم على الأمل بدل الدمار، والتنمية بدل الصراع، ويكون خاليًا من الإرهاب والتطرف وأسلحة الدمار الشامل، ومحصنًا ضد الانزلاق إلى دوائر العنف المتكررة، مؤكداً أن اتفاق شرم الشيخ يمثل حجر الأساس فى هذا المسار، شريطة الالتزام بتنفيذه الكامل، وصولًا إلى تسوية عادلة وشاملة تعيد للمنطقة استقرارها المفقود.
وفى لفتة حملت دلالة سياسية ومعنوية، أعلن الرئيس السيسى قرار مصر إهداء أرفع أوسمتها، للرئيس ترامب تقديرًا للجهود المبذولة من أجل إنهاء الحرب، فى رسالة تؤكد أن القاهرة ترى فى السلام خدمة جليلة للإنسانية، تستحق أن تُخلد.

 

مصر الدولة المركزية فى معادلة الشرق الأوسط

لقد أكد مؤتمر شرم الشيخ للسلام أن مصر، بقيادة الرئيس السيسى، لا تزال الدولة المركزية فى معادلة الشرق الأوسط؛ دولة قادرة على الجمع بين الحزم والمرونة، وبين القوة السياسية والشرعية الأخلاقية، وبين الدبلوماسية العلنية والعمل المؤسسى الهادئ.


وإذا كان وقف إطلاق النار فى غزة هو الإنجاز المباشر، فإن المكسب الأكبر يتمثل فى إعادة ترسيخ حقيقة بات العالم يدركها من جديد، وهى  أن السلام فى هذه المنطقة لا يمكن أن يمر إلا من خلال القاهرة.

 

7
 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة