لا يدرك الإنسان تفسير بعض الرسائل التي يشاهدها ويراها إلا بعد رحيل مفاجئ، حينها يعود بالذاكرة قليلًا ليكتشف أن ما حدث لم يكن إلا مشهدًا من مشاهد الوداع التي يرتبها القدر، ولا يدركها إلا بعد الموت.
كان عم كامل علام شلبي رحمه الله، ذا وجه بشوش مبتسم دائمًا، حتى مع ظهور علامات مرضه، جلس معي طويلًا على غير العادة، فقد كان يحرص دائمًا على السلام والاطمئنان علي بين فترة وأخرى ثم ينصرف سريعًا، لكن في المرة الأخيرة جلس قرابة الساعة، تجاذبنا أطراف الحديث عن التحاقه بأحد الأعمال بعد خروجه على المعاش، والتطوير الذي ساهم في أدائه بجهة العمل الجديدة، ثم تحدثنا عن بعض المتاعب التي ألمت بي نتيجة مشكلات صحية.
خلال الفترة التي جلسها معي رأيت خلف ابتسامته الرقيقة كسرة في العين، فسألته: "شكلك تعبان يا عم كامل"، والإرهاق باين عليك، أكد لي بالفعل أنه يعاني من وعكة صحية بسيطة اضطر بسببها إلى الذهاب إلى الطبيب، الذي نصحه بإجراء بعض الفحوصات الضرورية.
نصحته بضرورة التحرك وعدم الإهمال، ثم تجاذبنا بعض أطراف الحديث، وقبل أن يتحرك شددت عليه ألا يهمل في إجراء الفحوصات والتحاليل التي طلبتها إحدى الطبيبات، ثم مضى.
بعد مرور ثلاثة أيام تحدثنا مرة أخرى، لكن بدا أن التعب قد ازداد عليه وظهرت علاماته بوضوح على وجهه، سألته عن صحته وعن الفحوصات الطبية، فقال لي إنه بالفعل أجرى الفحوصات، لكن كان لديه هاجس بأنه يعاني من مرض عضال وخطير، فقلت له: "لا عليك، الأمر بسيط، ولكن عليك الاهتمام".
في ذلك الوقت كنت على وشك إجراء عملية جراحية، فلما علم بالأمر صمم على أن يكون بجواري أثناء إجرائها، لكني أكدت له أن الأمور على ما يرام، وأن يهتم بصحته.
بعد إجرائي للعملية، حرص رحمه الله على السؤال علي يوميًا، وكان يعبر لي عن حزنه لعدم قدرته على زيارتي، لأن صحته بدأت في التدهور بشكل كبير.
بعد أيام قليلة تدهورت حالته بصورة لافتة، ليتم وضعه على أجهزة التنفس والرعاية المركزة، حتى فاضت روحه إلى بارئها.
بعد كل هذه الأمور، بدت الصورة أوضح لي، أن اللقاءات التي جمعتنا في تلك الفترة القصيرة، والمكالمات الهاتفية، لم تكن إلا وداعًا.
رحم الله عم كامل علام شلبي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.