أطلق علماء الآثار في قبرص، موسم تنقيب جديد في واحدة من أهم مدن الموانئ في شرق البحر الأبيض المتوسط التي تعود إلى أواخر العصر البرونزي، بهدف إلقاء ضوء جديد على الحياة والموت والتجارة خلال فترة من التبادل البحري المكثف.
تجري أعمال التنقيب في درومولاكسيا-فيزاكيا، المعروفة أيضاً باسم هالة سلطان تكية، بالقرب من مدينة لارنكا الحديثة، وتشرف على أعمال التنقيب دائرة الآثار القبرصية التابعة لوزارة الثقافة. ويتولى بيتر إم. فيشر، الأستاذ بجامعة غوتنبرغ، إدارة أبحاث هذا الموسم، وفقا لما نشره موقع" greekreporter".

كأس أناضولى
مدينة تشكلت بفعل الجغرافيا والتجارة
تأسست مدينة هالة سلطان تكية حوالي عام 1650-1630 قبل الميلاد، خلال الفترة الانتقالية من العصر البرونزي الأوسط إلى العصر البرونزي المتأخر، ومع مرور الوقت، تطورت إلى مركز حضري كبير يمتد على مساحة لا تقل عن 25 هكتارًا، ازدهرت المدينة لما يقرب من خمسة قرون قبل أن تُدمر وتُهجر حوالي عام 1150 قبل الميلاد، وهي فترة اتسمت باضطرابات واسعة النطاق في شرق البحر الأبيض المتوسط.
أتاح لها موقعها على الساحل الجنوبي لقبرص الوصول إلى ميناء محمي جيدًا، ومن هناك، كانت البضائع تُنقل بين بحر إيجة والأناضول وبلاد الشام ومصر، وقد كشفت الحفريات السابقة عن كميات كبيرة من الفخار والمعادن والسلع الفاخرة المستوردة، مما يشير إلى اقتصاد قائم على التجارة البحرية لمسافات طويلة.
يتحول التركيز إلى المقبرة الواقعة خارج أسوار المدينة
ركز موسم التنقيب لعام 2025 على مقبرة خارج المنطقة الحضرية الرئيسية، والمعروفة باسم المنطقة أ. تم اختيار الموقع بناءً على المسوحات الجيوفيزيائية والتحقيقات السطحية التي أشارت إلى وجود هياكل مدفونة مرتبطة بالنشاط البشري.
كشفت الحفريات عن العديد من المعالم التي تأثرت بالتآكل والاستخدام الزراعي اللاحق، بما في ذلك بئر مهجورة منذ فترة طويلة ومقبرتين حجريتين يعود تاريخهما إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ويقول الباحثون إن هذه الاكتشافات توفر أدلة مهمة لفهم كل من الحياة اليومية والممارسات الطقسية خارج أسوار المدينة.
تحتفظ المقابر المنهارة بأدلة دفن نادرة
أما المقابر ذات الحجرتين فكانت تحكي قصة مختلفة، فقد انهارت أسقفها في العصور القديمة، مما أدى إلى تلف بعض القطع الأثرية، لكنه في الوقت نفسه أغلق الحجرات بإحكام ومنع أي عبث لاحق، وقد حمى هذا الإغلاق العرضي مواقع الدفن من النهب والتآكل.
في الداخل، وثّق علماء الآثار عمليات دفن مُرتبة بعناية وما يرتبط بها من مقتنيات جنائزية. يسمح التصميم المحفوظ للباحثين بدراسة كيفية وضع الموتى، والأشياء التي وُضعت في المقابر، وكيفية تنظيم الطقوس الجنائزية خلال العصر البرونزي المتأخر.
تكشف البضائع المستوردة عن روابط بعيدة المدى
كشفت المقابر عن مجموعة واسعة من القطع الأثرية، بما في ذلك الفخار المحلي المصنوع بدقة، والأدوات، والحلي الشخصية. وكان من أهمها مجموعة غنية من القطع المستوردة التي تعكس انخراط المدينة العميق في التجارة الدولية.
وصلت الأواني الفخارية الفاخرة من البر الرئيسي لليونان ، بما في ذلك بيرباتي وتيرينس، بالإضافة إلى جزيرة كريت وجزر بحر إيجة الأخرى، أما المصنوعات العاجية والأواني المصنوعة بدقة من الكالسيت فكانت من مصر، وظهرت روابط أبعد من ذلك من خلال اللازورد القادم من أفغانستان، والعقيق الأحمر من غرب الهند، والعنبر من منطقة البلطيق، والذي صُنع بعضه على شكل خرز وجعران.
قال الباحثون إن هذه المواد لم يكن من الممكن أن تصل إلى قبرص إلا من خلال طرق تجارية معقدة توسطت فيها حضارات العصر البرونزي الرئيسية.