على أعتاب الشهر الفضيل، تهب علينا نسائم الربيع الروحاني لتعلن اقتراب موعدٍ مع النور، هي أيام قليلة تلك التي تفصلنا عن رمضان، لكنها تحمل في طياتها وعوداً بالتغيير، وتفتح نوافذ الأمل لنفوسٍ أرهقها ضجيج الحياة.
إن الاستعداد لرمضان ليس مجرد طقسٍ عابر، بل هو حالة من الاستنفار الوجداني، حيث تبدأ الروائح الزكية للشهر الكريم بالتسلل إلى زوايا القلب، مذكرةً إيانا بأن الوقت قد حان لنفض غبار الغفلة.
ما أحوجنا في هذه اللحظات الفارقة إلى إحياء الليالي بالذكر الحكيم، وأن نستعيد صلتنا بالسماء عبر صلاة خاشعة وتسابيح تملأ المدى، وقراءة متأنية للقرآن تجعلنا نتدبر آياته ونستلهم منها طريق الهداية.
لكن رمضان لا يتوقف عند حدود المحراب، بل يمتد ليكون جسراً نعبر به نحو الآخرين، إنها الفرصة الذهبية لإعادة وصل ما انقطع من أرحام، وفتح دفاتر التسامح والعفو، وجمع الشتات بين القريب والبعيد في مشهد تجسد فيه المودة أسمى معانيها.
نحن بحاجة ماسة لأن نغسل قلوبنا من أدران الخصومة، ونستبدل الجفاء بكلمات طيبة ولقاءات تعيد الدفء لبيوتنا.
وفي ذات الوقت، يجب ألا ننسى أن رمضان هو شهر العمل والاجتهاد، لا الخمول والكسل؛ ففيه تتحول الأيام إلى ساحات للإنتاج وبذل الجهد، ليكون الصوم دافعاً للإتقان وقوةً تدفعنا نحو الإنجاز، لا ذريعة للتراخي.
إن هذا الشهر هو الملاذ الذي تصفو فيه النفوس وتروق فيه القلوب من هموم الدنيا وشواغلها المعقدة، هو محطة للتزود بالطاقة الروحية، واستمداد القوة والإصرار والعزيمة لمواجهة تحديات الحياة بقلب مؤمن وعقل مستنير.
وحين نعظم شعائر الله في هذا الشهر، فإننا نؤكد صدق تقوانا، ونعلن تمسكنا بقيمٍ تجعل من الإنسان كائناً يسمو بروحانياته فوق الماديات.
فلنستعد لرمضان بقلوب بيضاء، وعزيمة صادقة على أن نجعل منه نقطة تحول حقيقية، تغسل أرواحنا وتجدد إيماننا، وتمنحنا الصفاء الذي ننشده وسط صخب العالم.