قبل أقل من عقدين اضطُرّ نتنياهو إلى مُجاراة أوباما. كانت البداية بعد خطاب الرئيس الأمريكى الشهير فى جامعة القاهرة، والتتمّة خلال استقباله فى القدس بعد ذلك بأربع سنوات تقريبا، عندما تحدث بلغة لا تقبل التأويل عن أن «إسرائيل ما زالت ملتزمة بحل الدولتين مع الفلسطينيين»؛ على خلاف ما درج منذ بروزه السياسى فى عقد التسعينيات، وما ارتدّ إليه لاحقا من سيرته الأولى.
ترقّى فى رحلة الصعود على جثّة أوسلو، أو إسحاق رابين بمعنى آخر. وتجسّدت أفكاره بوضوح فى كتابه المعروف «مكان تحت الشمس»، مُحازا إلى عقيدة القوّة، ورافضا أية تسويات تُحمَل على منطق المُساكنة بين هُويّتين وبلدين. ومؤخّرًا؛ بينما كان يبتلع قرص الدواء المُرّ بوصفة طبية من البيت الأبيض، اختار أن يخطب فى أعضاء الكنيست مُجدّدًا عهده مع رفض الدولة الفلسطينية، ومتفاخرًا بكونه الوحيد الذى ظل على موقفه طوال عقود، ولم يُعطِ الفلسطينيين شيئا على الإطلاق.
كان مُحتالا منذ البداية، وصار مُحترفا فى الاحتيال وسبك الأكاذيب. كما يُجيد تحويل هزائمه إلى انتصارات، من دون عناية بالشكل أو المضمون. وبهذا المنطق؛ أحال عملية استعادة آخر جثامين الرهائن من قطاع غزة إلى إنجاز شخصى، واستمرأ دعايته بلُغة نحاسية صاخبة، فيما كان خصمه الأبرز وزعيم المعارضة، يائير لابيد، يقف على أطراف أصابعه انفعالا وغضبا من ادّعاءات رجل معروف بالفساد، وتُلاحقه اتهامات الإخفاق والتقصير، ولا يكتفى بمحاولة الإفلات من المساءلة والعقاب فحسب؛ بل يدّعى العصمة، ويطمع فى اصطحابها معه إلى صندوق الانتخابات المُقبلة.
ترى المعارضة أنه لا يحق له نسبة الفضل لنفسه؛ وإن أراد فعليه أن يتحمل المسؤولية التى تسببت فى أسر الأسرى من الأساس. وهو من جانبه، يشطب الخطأ تماما؛ ليُحوّل مساعى تصويبه إلى حالة إيجابية كاملة. فإذا أُبعِد الطوفان عن مجال النظر، ونُحِّيت بالتبعية قائمة المضارّ المادية والمعنوية التى حاقت بإسرائيل بعد حربها العدوانية على غزّة؛ فإن الحصيلة النهائية تصبّ فى صالحه من دون شكّ، وتضعه ضمن قائمة البنّائين الكبار من الآباء المؤسسين، الذين استحدثوا الدولة من عدَم، ووسعّوا مساحتها، وطردوا الفلسطينيين أو كَووا وعيهم بالنكبة ولأجيال تالية بعدها.
لا يسترعيه إلا أنه خاض حروبا على عِدّة جبهات، ومنح الدولة العبرية موقعا متقدمًا فى مواجهة أشرس خصومها. حيّد حماس جنوبًا، وحزب الله شمالاً، وامتدّت يده إلى الجوهرة المُمانِعة فى خزانتها الفارسية البعيدة، وفى الطريق إلى إعادة ترسيم المنطقة جيوسياسيًّا، خسر نظام الأسد باحترامه للتوازنات القائمة لأكثر من خمسة عقود، وربح بديلاً مطواعًا يُبشّره بمزيد من المنافع، فضلا على كسر الهلال الشيعى عند خاصرته الشاميّة.
المحور وميليشياته الرديفة يرون أنهم هدموا جدار الردع الحديدى على رؤوس أصحابه، والصهاينة اليمينيون يعُدّون أنه أعاد بنائه مُجددًا، وسيّجه بالحديد والنار وقبلهما ضعف الخصوم وانعدام قدرتهم على تكرار المحاولة. وبين مخابيل الفريقين، هنا وهناك، مَن لا يُبسّطون الصورة على تلك الغائبية المُزرية، ولا يعتبرون خلاصة السنتين الماضيتين انتصارًا كاسحًا لأحد منهما، أو هزيمة كاسرة للآخر. والأدق أنهما خسرا معًا.
اختلّت التوازنات التى كانت قائمة فى آخر عقدين أو ثلاثة؛ لكن النتائج المترتبة على ذلك غير واضحة بعد، ولا يُمكن استشراف مآلاتها الآن من ركام الدمار ودخان الساحات المشتعلة. القديم يموت والجديد لم يُولَد بعد، على ما قال جرامشى، وهى الفكرة السائدة عالميًّا أيضًا، لا سيما بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ومن إرث الإقليم أنه مشبوك مع الخارج من دون إرادته، ومع قدرته العظيمة على إنتاج الفوضى والتوترات؛ فإنه عاجز دومًا عن إنهائها بإمكاناته الذاتية.
على الضفة العاقلة وراء حدود فلسطين التاريخية، يصح النظر إلى خلاصة الحرب الطويلة فى غزّة على أنها أضرّت القضية، وأعادتها كثيرا إلى الوراء. بقدر ما يُمكن للبعض عَدّها فاتحة لمسار جديد، أهم ما فيه إفساح المجال لإنهاء الانقسام والسير نحو المصالحة، مع التحلّل من قيود الأدلجة والتديين واختطاف المسألة السياسية والقانونية لحساب فصائل وتيارات أصولية. كلتا الرؤيتين لا يسهل تخطئتهما، ولا الجزم بسيادة أى منهما على الأخرى بتعجّل واجتزاء، وما تزال الأبواب مفتوحة على كل الاحتمالات.
غير أن الأسئلة المُثارة من جانب الضحايا، لا يُمكن ألا أن تكون مُختلفة ومتضادّة مع ما يتردد فى بيئة الجُناة. غزّة تنشغل بقيامتها من بين الرماد، أما إسرائيل فمأزقها الأساسى فى كُلفة الحرائق التى أشعلتها، وهل عزّزت شعورها بالأمن، أم خصمت من رصيده السابق. ما يجعل الخلاص من حماس عبئًا لا يقل عن وجودها؛ ذلك أنها تقوّت برعاية يمينية من نتنياهو نفسه، وإن بقيت بعد طلب إفنائها يكون البقاء دليلاً على العجز، وإن ارتضت بالحلول المعروضة عليها وذابت فى النسيج الفلسطينى، فإن ذوبانها يُعيد ابتعاث التساؤلات القديمة عن سبب الاستثمار فيها من البداية.
لعبت الحركة دورًا مباشرا فى إحباط أوسلو، بتوافق ضمنى مع معارضى الاتفاقية داخل الدولة العبرية. ورُدَّ لها الجميل بعد سنوات بتمكينها من الانفراد بحُكم القطاع، وإعانتها على تثبيت وجودها فيه. كان يتردد على لسان زعيم الليكود، وبين تيّاره والمتحالفين معه، ما يُفيد بأن الحماسيين ذُخر يُعوّل عليه الاحتلال، والانقلاب عليها بعد الطوفان طعنة مُتبادَلة بين الفريقين: فلماذا دُعِمَت المقاومة الأصولية طالما الأصل أنها عدوّ مبدئى دائم؟ ولماذا تقبّلت هى ذاتها دعم الصهاينة طالما أنها مُسيّرة بالبديهة إلى صدامٍ وجودى بعد إضعاف بقيّة المنافسين، وما يُمكن أن يوفّر بديلاً وطنيًّا عنها فى أوقات الأزمات؟!
نتنياهو يتفاخر باستعادة الأسرى متغافلاً عن واقعة الأسر تحت قيادته. وبطبيعة الحال لن يعود إلى الوراء؛ ليستذكر أن الآسرين نَموا وترعرعوا برغبة مباشرة منه، تجاوزت الصمت فى بعض الأحيان، إلى الوساطة المباشرة لدى الأمريكيين حتى ينتقلوا من دمشق إلى الدوحة، أو تطير إليهم حقائب الدولارات شهريا عبر المطارات الإسرائيلية. والفصائل ما تزال تعُد أنها انتصرت فى المعركة، وخسائر القطاع تكتيكية لا استراتيجية، وصفقة الإقرار الضمنى بالهزيمة دهاء مرحلى، فلا تُقرّ بخطيئة الطوفان، ولن تغوص فى ذاكرتها البعيدة طبعا إلى خطايا الانقلاب وشق الجغرافيا عن بعضها بسكّين الأيديولوجيا والشعارات.
مُراجعة لابيد لنتنياهو غائبة عن الجانب الآخر تماما. لا أحد يقول إن المُمانَعة بصورتها المعروفة كانت نتاج المُزايدة والتشغيب وحسابات السياسة بين الدول، وأن سلوكها العملى أفضى إلى ضعف هيكلى فى بنيتها، فضلا على إضعاف محيطها الحيوى. لا أحد يعترف بمسؤوليته عن أى شىء؛ وما يزال الحزب على عادته فى القفز على أزمات لبنان، بينما يُلوّح بأنه لن يكون مُحايدًا إزاء أية ضربة تطول إيران.
ما فعلت حماس فعلتها فى السابع من أكتوبر لأجل فلسطين؛ وإلا كانت انشغلت أوّلاً بتمتين الجبهة الداخلية، ووضع سيناريوهات موضوعية عاقلة تغطى كل المخاطر وتداعياتها. والحزب والحوثى وميليشيات العراق وسوريا. وما أقدم زعيم الليكود على حربه بغرض الثأر أو ترميم جدار الردع؛ بل لاعتبارات شخصية فى المقام الأول، على رأسها تفكيك حزام المُعارضة الذى تشكّل حول مشروع الإصلاح القضائى، والاستمتاع بمظلة الإجماع على حدّ السكين، وتثبيت أسطورته الخاصة كآخر ملوك اليهود وفاتحة الجيل الثانى من مؤسسى دولتهم المُلفّقة.
أخذت الجولة الأخيرة صورة الأيديولوجيا لا السياسة، فانطلق كل فريق فيها تحت سحابة من الشعارات، دون أن يعرف وجهته أو يُحدد موضع خطوته التالية. وإذ انكسرت حماس؛ فإنها مُخيّرة بين أن تكون سببا فى مزيد من الدمار أو عائقًا على طريق الإعمار، وثالهما الغياب الذى لا خيرة معه أو قرار. ورئيس الحكومة فى إسرائيل يُبرِّد جبهة غزّة مُجبَرًا بإملاء أمريكى، ويُبقى على الساحة اللبنانية ساخنة، ويتردّد بين الحالين فى سوريا، مُتطلّعًا إلى أن تنوب عنه الولايات المتحدة فى الإجهاز على الجمهورية الإسلامية، أو تضىء له مصابيحها الخضراء مشمولة بعهد المؤازرة عندما تتعقّد الأوضاع.
ذهبت حماس فى اتجاه لا تقدر على المضىّ طويلاً فيه، إذ لا تتوافر لديها قدرة المواصلة ولا قناعة المراجعة والارتجاع. وتمدّد أسوأ رؤساء الحكومات مستغلاً أثر السيولة وخلخلة الجبهات؛ لكنه وضع يده على ما لا يستطيع هضمه وابتلاعه، وتُغريه القوة بالانصراف عن حقيقة الهشاشة البنيوية وافتقاد العمق الاستراتيجى، بما لا يُمكن معه أن تتسع الدولة العبرية كثيرا عن حدودها الحالية، ولا أن تكون قائدًا للإقليم من الأساس، والمُغامرة إمّا أن تقود إلى الذوبان فى محيط واسع، أو التحوّل من حال الأمن المُهدّد، إلى أحوال الفوضى الدائمة.
لابيد يُصوّب على غريمه لقاء جملة، بالرغم من أنه دُعِى صراحة للعمل معه، عندما وقف ترامب خطيبا فى الكنيست قبل ثلاثة أشهر تقريبا. يُمكن أن يُلوّح له جانتس برغبته فى التحالف، وأن تتشظّى المعارضة وتنقسم على نفسها، ويجد طريقه مفتوحًا إلى ولاية جديدة خريف العام الجارى؛ لكن ذلك لن يمنع أنه موصوم بالفساد؛ حتى لو حصل على عفو من الرئيس، وأن تيّارا عريضًا فى الداخل يراه مُحتالاً فاشلاً، ويُحمّله المسؤولية عن نزيف الصورة والمكانة وتعقّد الأوضاع السياسية والأمنية، ولا تخدعه دعايات الانتصارات التكتيكية والشكلية التى حققها أو يُحدّث بها مع حلفائه والموالين له فى الأحزاب والإعلام.
وعلى كل محاولاته لإخراج المشهد بطريقة أقل إحراجا؛ فإن كثيرين فى الشارع العبرى يعرفون أنه أُجبر على وقف الحرب، كما يُجبَر حاليا على السير فى المرحلة الانتقالية من الاتفاق، وأن القرار منذ البداية لم يكن له حصرًا؛ باستثناء لو كان يعرف بالطوفان واختار أن يُمرّره ذاتية فوق وطنية. لا يُبشّر هذا بالضرورة بعملية مُراجعة شاملة، أو حساب وارتداد عن الجنون وجموع الدولة الصهيونية، وهى سائرة إلى اليمين بأغلب كُتلتها؛ لكنه ينطوى على رادعٍ معنوى لأى بديل يحل عن نتنياهو مستقبلاً، فيما تلعق الميليشيات الأصولية جراحها وتقول إنها انتصرت، ويخرج نعيم قاسم على الملأ مُهدّدًا بحرب أهلية ثانية، وبأن الحزب استعاد قوّته ويحتفظ لنفسه بمُطلَق الحق فى اتخاذ القرار.
فارق القوّة واسع مع العدو؛ غير أن أهم عناصر قوّته كامنة فى ضعف الخصوم. نتنياهو ذكى قطعًا؛ لكنه يزداد ذكاء بغباء الآخرين. الحرب منحته ما لم يُحصّله بالسلام، والصلابة المصرية والعربية التالية للطوفان أفقدته ما كان يعتبر أنه تحقق له بالفعل أو على مرمى حجر. نحتاج إلى استفاقة إقليمية شاملة، وتجديد النظر إلى طبيعة الصراع ومُكوناته ومصاعبه، لا من زاوية القومية المُتسلّطة على أذهان البعض حتى الساعة، ولا تحت ستار الأوهام الأُممية التى يستثمرها الأصوليون ويتاجرون فى عوائدها؛ بل من مُنطَلَق براجماتى واعٍ، وباختيار حصيف بين الممكن والمأمول، طالما أنه لا يُخبّى المرفوض وراء ظهره.
ما تزال المخاطر قائمة؛ ولو بقدر أقل من السابق. لا نعرف على أى وجه سيعمل مجلس السلام، أو تؤول أمور الاتفاق، أو تذهب واشنطن فى تصوراتها عن الإعمار والريفييرا المُتخيّلة. غير أن الثابت بالممارسة أن الغزيين لم يرحلوا كما أراد الاحتلال، وخطة ترامب أقرب إلى رؤية القاهرة ممَّا كانت تسوّقه تل أبيب، وإدارة القطاع تُوضَع فى أيدى بعض أبنائه، وبقدر من اليقظة والدأب ستمضى الأمور إلى صيغة أقل سوءا من الاقتراحات التى كانت على الطاولة. يتبقّى أن ينظر العائدون من الجبهة فى المرآة، ويعرفوا مقدار ما أهدوه لنتنياهو مجّانًا، وبكرمٍ لا يُمَلّ ولا يتوقف، بينما كانت حُكومته تُشرف على السقوط فى شهورها الأولى.