بالنسبة لفاروق حسني كانت كارثة حريق بني سويف من أكثر الأحداث إيلاما شخصيا له ورغم أنه مسئولية المباشرة غير موجودة عن حريق تم كنتيجة منطقية لحالة شاملة من الإهمال والتجاهل والتعامل بخفة مع أي مناسبة لا يحضرها مسئول كبير ورغم أن مدير المهرجان حسن عبده أعلن أنه اتصل قبل ساعات من الكارثة بقوات الدفاع المدني لنا من العرض كلها أرسلت رجل اطفاء واحد يحمل اسطوانة جلس بها في أخر القاعة.
وفي أعقاب غضب شمل كل المثقفين المصريين وخاصة الشباب الذين فقدوا خيرة أصدقائهم مثل الناقد الدكتور محسن مصيلحي والدكتور صالح سعد والدكتور مدحت أبو بكر والناقد المسرحي نزار سمك والمخرج بهائي الميرغني وأحمد عبد الحميد وحازم شحاتة وأحمد علي سليمان وآخرين من خيرة شباب الوطن... تقدم فاروق حسني باستقالته باعتباره المسئول السياسي عن هذه الكارثة وكان عددا آخر من المثقفين والمسئولين (طبعات) أصدروا بيانا طالبوا فيه الوزير بالعدول عن استقالته كما طالبوا رئيس الجمهورية برفض الاستقالة وهو ما حدث وأسدل الستار ربما على أكبر فاجعة واجهت المجتمع المسرحي في العصر الحديث.
وفي عام 2010 (قبل الثورة) قضت محكمة شمال الجيزة بالزام فاروق حسني بدفع تعويض مدني قيمته 100 ألف جنيه لأسرة فتاة لقيت مصرعها في الحادث المؤلم.. كما عاقبت المحكمة ثمانين من مسئولي الوزارة وقصر الثقافة بالسجن 10 سنوات وفي مقدمتهم الرئيس السابق لهيئة قصور الثقافة د. مصطفى علوي وكان عضوا بلجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم والذي كانت الحصانة قد رفعت عنه على خلفية الحادث حيث كان عضوا لمجلس الشورى.
وطبعا كانت التعويضات لضحايا الحادث هزيلة (50 ألف لكل متوفي و 20 ألف لكل مصاب) بما أصاب الجميع بصدمة لا زالت أثارها حتى الآن.
أما الموضوع الآخر أو الكارثة الثانية التي واجهت الوزير الشاب فكانت ذات طابع ثقافي سياسي مست بكل حدة أحوال الوطن كله في فترة حاسمة من زمن تطلعها إلى حرية الإبداع ومواجهة تيارات العصبية الدينية المتزرعة با (الأخلاق) لضرب أي محاولة لرفض الرقابة على المبدع والذي كان يعاني من كافة أشكال القمع والتخويف خاصة ممن يمثلون القيادات (الشعبية) داخل المجالس المختلفة.
أزمة (وليمة الأعشاب البحر) سوف تظلك مثالا حيا لما تعانيه الدولة التي تتوانى عن الوقوف بقوة مع الإبداع والرفض الحاكم لكل أوجه القمع وطغيان الرأي الأوحد..
كانت وزارة الثقافة قد أنشأت قسما تابعا لها تحت عنوان (آفاق الكتابة العربية) بهدف نشر إبداعات الكتاب العرب لكي تتيح للمثقف المصري القارئ المصري الغرض لقراءة أعمال قد يكن من الصعب الحصول عليها وأصدرت هذه السلسلة (التي ترأسها الكاتب الكبير إبراهيم أصلان وكان مدير تحرير السلسلة الروائي حمدي أبو جليل وتحت إشراف الناقد محمد كشك ورئيس الهيئة الناقد الكبير على أبو شادي)
أصدرت السلسلة عدة كتب لأدونيس ومحمود درويش والطيب صالح وغيرهم بأسعار زهيدة لا تتجاوز جنيهين للنسخة الواحدة.
وكانت رواية (وليمة لأعشاب البحر) قد صدرت في طبعات مختلفة لكن السلسلة رأت إعادة طبعها مصريا لأهميتها من الناحية الأدبية والفنية.
وبعد شهور من صدور الرواية فوجئ الجميع تجريده التشعب التي كانت تمثل حزب العمل المعارض برئاسة إبراهيم شكري والذي أصبحت محترقة بكثير من تيارات الإسلام السياسي ومن بينهم الإخوات.. تصدر لمانشيت أحمد يقول (من يبايعني على الموت) مع عناوين فرعية محرض بشدة كل من سمح بنشر هذه الرواية مما أدى إلى أن يصدر (مجمع البحوث الإسلامية) التابع للأزهر وكذلك جامع الأزهر برئاسة أحمد هاشم الشريف إلى إصدار بيان يتهم فيه الرواية بأنها تقدم خروجا عن الآداب العامة وأنها تحريض صريح ضد المقدسات الدينية والشريعة الإسلامية.
وكان هذا هو المناخ الذي دفع طلاب من جامع الأزهر إلى التظاهر العنيف لدرجة أن ما نشبت أحد الجرائد كان (مصر تحترق والحكومة تتعرج).. وكانت المطالبة بمصادرة الرواية ومحاكمة المسئولين عن إصدارها... وطبعا طال الأمر وزير الثقافة والمطالبة باستقالته بعد الاعتذار.
وتم في النيابة – بناء على ضغط إعلامي شديد اشترك فيه للأسف بعض قيادات الحزب الحاكم – استدعاء كل من أصلان وأبو خليل وكشيك وعلى أبو شادي واستمر التحقيق معهم 9 ساعات كاملة.
وكان وزير الثقافة والمثقفون المصريون كان لهم موقف أخر يضاف إلى مواقفهم المحترمة النادرة..