شهدت قاعة المؤتمرات بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، ندوة موسّعة لمناقشة كتاب «حكمت المحكمة» للمستشار بهاء المرى، أدارها الدكتور مدحت عيسى، وسط حضور لافت من المثقفين والمهتمين بالشأنين القانوني والأدبي، حيث فتحت الندوة نقاشًا واسعًا حول مفهوم «الأدب القضائي»، وحدود العلاقة بين الواقع والدراما، وإشكاليات تمثيل العدالة في الأعمال الفنية.
وقال مدحت عيسى إن الأدب القضائي، سواء في الرواية أو اليوميات أو الشهادات، يُعد إضافة مهمة للوعي العام، لأنه يشرح كيف يُطبّق القانون في الواقع، وكيف تتحول النصوص الجامدة إلى قرارات تمس مصائر البشر، موضحًا أن الإشكالية الكبرى تكمن في أن الدراما غالبًا ما تبتعد عن هذا الواقع، وتستبدله بصور نمطية أو مبالغات.
من جانبه، تحدث المستشار بهاء المري بإسهاب عن فكرة الكتاب، مؤكدًا أن «حكمت المحكمة» ليس محاولة لتجميل صورة القضاء أو تقديم القاضي كبطل خارق، بل هو تسجيل أمين ليوميات العمل، بما تحمله من ضغط نفسي، وتعقيدات إنسانية، ومسؤولية ثقيلة عند الفصل في قضايا قد تنتهي بالإعدام أو السجن المؤبد.
وأوضح المري أن تطبيق العدالة لا يتم في فراغ، وإنما داخل منظومة كاملة من القوانين والإجراءات والأدلة، مشيرًا إلى أن القاضي لا يحكم وفق انطباعات شخصية، بل وفق ما هو ثابت في الأوراق، وما يُعرض داخل قاعة المحكمة، مهما كانت القناعات الشخصية أو التعاطف الإنساني.
وتطرق المري إلى ندرة الأعمال التي تناولت القضاء المصري من زاوية واقعية معاصرة، مشيرًا إلى أن معظم ما قُدِّم دراميًا كان إما بعيدًا عن الحقيقة أو مستندًا إلى خيال لا يمت للمحاكم بصلة، وكشف خلال حديثه عن تواصله في وقت سابق مع الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى، الذي عبّر له عن رغبته في وجود عمل درامي حقيقي قائم على «يوميات وكيل نيابة» أو «يوميات قاضٍ»، وليس أعمالًا متخيلة أو تاريخية.
وأشار المستشار بهاء المري إلى أن الواقع القضائي المصري مليء بقصص تفوق الخيال الدرامي، لافتًا إلى أن كل دائرة جنايات تشهد يوميًا قضايا شديدة الخطورة، من تهديد وابتزاز ونشر صور وفيديوهات وانتهاك للخصوصية، مؤكدًا أن بعض الوقائع التي تبدو بسيطة في ظاهرها تحمل في طياتها أبعادًا إنسانية وقانونية معقدة.
وضرب المري أمثلة من واقع عمله، موضحًا كيف يمكن لقضية أن تبدأ باعترافات واضحة، ثم تنقلب تمامًا داخل المحكمة، بسبب خلل في الإجراءات أو عدم قانونية الاعتراف، مؤكدًا أن الاعتراف لا يكون حجة إلا إذا تم أمام القاضي وبالضمانات القانونية الكاملة، وهو ما لا يدركه كثيرون خارج الوسط القانوني.
وأضاف أن بعض القضايا قد تتحول من حكم بالإعدام إلى السجن لسنوات، أو العكس، بناءً على تفاصيل دقيقة لا يلتفت إليها الرأي العام، مشيرًا إلى أن العدالة ليست انتقامًا، وإنما التزام صارم بالقانون، حتى وإن بدا الحكم قاسيًا أو مخيبًا لتوقعات المجتمع.
وتناول المري دور الجهات المعاونة للقضاء، مثل الأطباء الشرعيين وخبراء المعامل الجنائية وسكرتارية المحاكم، مؤكدًا أن العدالة هي «عمل جماعي» لا يقوم به القاضي وحده، وإنما منظومة كاملة، داعيًا إلى أن تكون هذه الفئات جزءًا من المعالجة الأدبية والدرامية مستقبلًا، لما تمتلكه من حكايات وتجارب إنسانية شديدة الثراء.
وفي هذا السياق، طُرح تساؤل حول إمكانية تقديم أعمال درامية عن الأطباء الشرعيين أو خبراء المحاكم، وهو ما اعتبره المري أمرًا واردًا ومهمًا، شريطة الالتزام بالدقة وعدم تشويه الواقع، مؤكدًا أن الكاتب الحقيقي يجب أن يقترب من المهنة التي يكتب عنها، وأن يسمع لأصحابها، لا أن يكتفي بالخيال.