كان لافتاً ظهور "الشبل" يائير نتنياهو على الساحة الإعلامية، وتحديداً على المنصات الرقمية المختلفة باعتباره واحداً من جيل الألفية، الذين وجدوا خلف الشاشات متنفساً وفضاءً رحباً يمكّنهم من التعبير عن أرائهم وأفكارهم في الشأن العام دون قيود، حتى صار الناطق غير الرسمي باسم والده، وأحد وسائله للنيل من خصومه السياسيين والعسكريين مع حيز مناسب للإدلاء بدلوه في قضايا السياسة الخارجية لإسرائيل؛ ما دفع الكثيرين إلى تبني وجهة نظر نتنياهو الصغير باعتبارها تعبيراً غير مباشر عن وجهة نظر والده وتوجهاته، ذلك على الرغم من تنصل نتنياهو الأب من بعض تصريحات نجله باعتباره مواطنا بالغا وراشدا وله الحق في التعبير عن وجهة نظره.
لا يحتاج المرء إلى كثيرٍ من البحث والتقصي لإدراك حقيقة مفادها أن بالإمكان استنباط تحركات نتنياهو الأب وقراراته المستقبلية من خلال تصريحات نجله يائير؛ إذ تشكل الأخيرة بالون اختبار حيال ما يجول في خاطر الأب ولا يجرؤ على التصريح به علانية. كما تمثل تمهيداً لسلسلة من القرارات الجوهرية التي تقتضي تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لها، وجعلها محوراً للنقاش في الأوساط السياسية. المواقف التي يتبناها يائير في القضايا الاستراتيجية تتجاوز دوره كفردٍ في العائلة الحاكمة، وتعد تعدياً سافراً على اختصاصات مؤسسات الدولة. فعلى سبيل المثال، تطابق موقف نتنياهو الأب مع تصريحات نجله في عدة ملفات داخلية، أبرزها: السعي لتعيين موالين له على رأس الأجهزة الأمنية متجاوزاً المعايير المتبعة، والإصرار على 'الإصلاح القضائي' الذي يهدف إلى تقليص صلاحيات المحاكم لتمكينه من التهرب من محاكمات الفساد والرشوة، وأخيراً، الترويج لإعادة الاستيطان في قطاع غزة؛ بما يلبي طموحات اليمين المتطرف ويتسق مع أجندته الراديكالية.
باتت الأوساط السياسية والإعلامية تدرك هذه اللعبة العائلية، وأعربت عن غضبها من اتساع نفوذ يائير نتنياهو وتدخلاته في ملفات كثيرة. أحد أقطاب المعارضة الإسرائيلية أفيغدور ليبرمان سبق وصرح بأن إسرائيل لن يحكمها "مراهقون أو مختلون عقلياً" في إشارة إلى تصريحات يائير التي حمّل فيها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية المسئولية عن السابع من أكتوبر، زاعماً وجود مؤامرة من أجهزة الدولة ضد والده.
في جلسات تحقيق الشرطة الإسرائيلية مع يائير نتنياهو التي عرضها الفيلم الوثائقي "ملفات بيبي"، تحديداً في ملف الرشوة والتغطية الصحفية المنحازة من موقع "والا" العبري، بدا واضحاً مدى الغطرسة والشعور بالاشمئزاز الذي يكنه يائير تجاه مؤسسات الدولة وعلى رأسها الشرطة الإسرائيلية، التي وصفها "بالغستابو" الجديد. فهو يرى أن اليسار والدولة العميقة يستهدفون والده لإزاحته عن منصبه، ويفسر ملفات الفساد والرشوة ضد والده من المنظور ذاته. حتى عندما تعلق الأمر بتحمل المسؤولية عن السابع من أكتوبر، فالرد لدى يائير لا يتخطى الأطر نفسها التي تستهدفه في ملفات فساد. من منظوره القاصر، تحسب الإنجازات لوالده والاخفاقات لمؤامرات داخلية هدفها إضعافه.
في تقرير لصحيفة "معاريف" التي تعبر عن تيار الوسط واليمين الليبرالي في إسرائيل، كُشف عن قيادة يائير لكتائب إلكترونية في أوساط الشباب المندفعين والمغيبين تهدف إلى إلقاء اللوم عن السابع من أكتوبر على قادة الأمن ممثلين في وزير الدفاع السابق غالانت ورئيس أركانه "هليفي" بهدف تنظيف صورة نتنياهو الأب وإخراجه من دائرة المسؤولية عما حدث. وهي الممارسات التي جعلت الإعلام الإسرائيلي يطلق عليه لقب "صانع السم".
إن الفساد في عائلة نتنياهو ليس حدثاً عارضاً، بل هو نهج وأسلوب حياة. فبينما اضطرت الوزيرة ميري ريغيف للسفر عبر رحلة تجارية لعدم وجود أماكن شاغرة في الطائرة الرئاسية (جناح صهيون)، كشفت الصحافة عن وجود يائير -الذي لا يحمل أي صفة رسمية- على متن ذات الطائرة. ناهيك عن تحمل الدولة نفقات حراسته الأمنية الباهظة خلال إقامته الطويلة في ولاية فلوريدا الأمريكية.
في الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود، ترشح يائير نتنياهو عن دائرة مستوطنة "معاليه يوسف"، وبعيداً عن رمزية ترشح نجل رئيس الوزراء عن مستوطنة، سادت حالة من الغضب لدى سكان هذه المستوطنة من ترشح نتنياهو الابن خلسة عن دائرتهم. برزت أسئلة حول كيفية ترشحه عن دائرة لم يزرها قط، ولم يكن من سكانها يوماً، ومن سمح بهذا الترشيح؟
انتخب الفتى المدلل يائير نتنياهو عضواً في اللجنة المركزية لحزب الليكود والتي يبلغ عدد أعضائها 4000 عضو، في خطوة اعتبرها مراقبون تمهيداً لدخول نتنياهو الصغير إلى الحلبة السياسية دعماً أو خلفاً لوالده؛ ما يشي بتحول الحزب الحاكم الذي يسيطر عليه نتنياهو الأب منذ قرابة عقدين إلى "مفرخة سياسية عائلية"، بما يعكس تبني نتنياهو نهج التوريث. فلربما يصبح لدى إسرائيل في المستقبل قائد اسمه "يائير بنيامين الأسد".