عندما يمتلك الوزير المسئول قدرا معقولا من (الخيال) بحيث يملك قدرة التصرف خارج الصندوق وعندما يكون مكتفيا بذاته موقن أن المناصب لا تصنع الرجال وعندما يكون مطمئنا إلى (دولة) تثق به وتحميه وتغفر له أخطاؤه و(خطايا) المحيطين به! فإنه يندفع نحو إنجازات لا ينكرها أحد بعد أن يترك المنصب وحتى بعد أن يترك الحياة نفسها.. وهو الأمر الذي يحتفظ بذكراه كل المثقفين المصريين عندما يذكر اسم مثل ثروت عكاشة أو بدر الدين أبو غازي.
يحكي فاروق حسني أنه بعد بناء الأوبرا بالتعاون مع دولة اليابان رأى (هنجر) أو جراج في الجانب المقابل لدار الأوبرا وقرر أنه يصلح لكي يكون منبرا ثقافيا شبابيا يتلاءم مع ذوق جيل جديد ويوازن كلاسيكية الأوبرا المقابلة... وبدأ فورا في تنفيذ (مركز الهناجر للفنون) الذي يشمل قاعات للفن التشكيلي ومسرحا ودارا للعرض السينمائي وقاعة للموسيقى... كانت براعة فاروق حسني تتمثل في قدرته على إقناع مؤسسة الرئاسة بأهمية ما يفعل ثم أن يمولوا مشروعه دون ضجيج إتقاء لأصوات في كل المجالات تعادي الثقافة والفن وترى أن أي (قرش) يصرف على هذه المجالات الحيوية هو إهدار للمال العام !!
عندما دعا الوزير الرئيس مبارك لافتتاح مركز الهناجر الذي أبدعه المعماري الشهير فاروق الجوهري قال له الرئيس : عايزني أجي افتح جراج يا فاروق؟!
ولكنه جاء وأصبح الهناجر مركزا لاغنى عنه ومنفذا للمبدعين الشباب في جميع المجالات خاصة بعد ان أختار الوزير قيادات تحظى باحترام ومهنية عالية مثل د.هدى وصفي ود. شاكر عبد الحميد (الذي أصبح فيما بعد الثورة وزيراللثقافه)
وعندما رأى حالة من التقاعس في تجديد الرؤى المسرحية للشباب ابتدع نوعا آخر أسماه (المسرح التجريبي) محاكيا ما كان يشاهده في باريس وروما …حاول أن (يجربه) في قصر ثقافة الأنفوشي بالاسكندرية وهو الانجاز المستمر حتى الآن ولكنه تقلص إلى مجرد مهرجان سنوي يتم تجاهله إذا لم تتوفر له الميزانية الكافية لاستضافة العروض الدولية في كل ثقافات وفنون العالم.
وعندما كان فاروق حسني رئيسا لأكاديمية روما أحس بأن شكل الأكاديمية ومعمارها تجاوزه الزمن وطاله الإهمال الشديد وكان يحس أن هذا لا يليق بسمعة مصر وتاريخها الطويل وتأثيرها الثقافي على محيطها فإنتظر حتى أصبح وزيرا حيث أمكنه أن ينفق 10 مليون جنيه لتطوير أكاديمية روما وإعادة بنائها بالاستعانة بمعماري شاب هو حاتم سعيد الذي تمكن من إعادة صياغة المبنى لكي يصبح مبنى حديث يليق بمكانة مصر وقوتها الناعمة في المحيط العالمي كما نجح في دعوة بيرلسكوني الرئيس الإيطالي لكي يصاحب الرئيس مبارك وقرينته في افتتاح الأكاديمية.
وبعد..
هناك الكثير يقال عن (زمن فاروق حسني) الذي نفتقد الكثير منه هذه الأيام والذي يثبت أن اختيار الشخصية التي تصلح لهذا المنصب هو الخطوة الأولى والعلامة الفارقة لمدى جدية الدولة في دعم صناعة الثقافة التي هي الجبهة الأولى في مواجهة التطرف والتخلف وإعادة بناء (الروح) المصرية القادرة على البناء والتقدم.
طبعا لم تكن أيام فاروق حسني كلها سعيدة بالوزارة التي امتدّت لسنوات فاقترن اسمه (للأسف) بأسماء من الفاسدين واستمر لفترة طويلة أحد أقربائه أو نسيبه في الوزارة متحكما في كافة أعمالها الإدارية.. وكشفت أكثر من مرة فضائح فساد في مكتبه لدرجة حبس بعضهم بعد أن ظلوا فترة غير قليلة يعيشون في دهاليز الوزارة التي اتسعت وتضاءلت بها قدرات الرقابة واذكر كلمة للوزير عندما علم باختلاس احد موظفي مكتبه انه مندهش لان هذا الشخص بالذات يتقاضى مرتبا رسميا اكثر من المبلغ الذي اتهم بسرقته..!! كما لم يعجب المثقفون المصريون موقف الوزير في حريق بني سويف الشهير سنة 2005 وهو الحريق الذي ذهب ضحيته أكثر من 50 شخصا وأصيب العشرات بينهم فنانون ومثقفون من خيرة الشباب المصرى.
في يوم 5 سبتمبر سنة 2005 كان جمهور كبير أغلبه من الشباب يشاهد مسرحية لفرقة شابة من الفيوم بقاعة الفنون التشكيلية الملحقة بقصر ثقافة بني سويف وأثناء العرض سقطت شمعة عل خلفية ديكور العرض وفشلت المحاولات البدائية لإطفاء اللهب الذي امتد إلى الستائر والديكور الذي كان معظمه من الخشب والورق فسقط السقف المكون من الفوم متحولا إلى نار سائلة فوق رؤوس الجمهور والممثلين وأغلقت عليهم أبواب الخروج (غير الموافقة للمواصفات طبعا) .. ولم تأت عربات الإطفاء التي لا تبعد عن المسرح أكثر من 5 دقائق إلا بعد 50 دقيقة وعندما بدأوا عملية الإطفاء لم يجدوا ماء ليضخوها كما وصلت عربات الإسعاف بعد ساعات ولم تنبهم الاستغاثات من سكان المنطقة.. ولم يجد من نجامن الحريق وسيلة للوصول إلى المستشفيات غير استخدام سيارات الأجرة وأقدامهم العارية... فمن نجا في الحريق مات بسبب الإهمال..!!