لم يعد الظهور في المحافل الدولية مسألة حضور شكلي أو خطابات بروتوكولية بل صار اختبارا حقيقيا لوزن الدول وقدرتها على التأثير في لحظة عالمية مضطربة.
وفي هذا السياق جاء المشهد في دافوس ليؤكد أن بعض الدول لا تحتاج إلى رفع الصوت كي تسمع لأن ما تملكه من رؤية ومواقف متراكمة يجعل حديثها حاضرا حتى قبل أن تبدأ بالكلام.
في السنوات الأخيرة تغير شكل النظام الدولي واهتزت كثير من المسلمات التي حكمت العلاقات بين الدول لعقود. لم تعد القوة الصلبة وحدها كافية ولم تعد التحالفات التقليدية تضمن الاستقرار بل بات العالم يبحث عن أطراف قادرة على الجمع بين السياسة الرشيدة والقدرة على إدارة الأزمات وتقديم حلول واقعية لا تقوم على المغامرة أو الشعارات.
في هذا المشهد برزت مصر بوصفها دولة تمتلك هذا المزيج النادر: دولة تعرف حدود القوة لكنها لا تفرط في حقوقها أو دورها وتدرك تعقيدات الإقليم لكنها لا تنجرف إلى الفوضى أو الانفعال. ولذلك لم يكن لافتا أن تحظى الرؤية المصرية باهتمام واسع في دافوس لا باعتبارها موقفا عابرا بل باعتبارها تعبيرا عن سياسة متماسكة تشكلت عبر سنوات من العمل الصبور.
القضية الفلسطينية على وجه الخصوص كانت اختبارا حاسما لصدق النظام الدولي وقدرته على حماية القيم التي طالما رفع شعاراتها. وبينما تراجع تأثير كثير من المؤسسات الدولية أمام مشاهد العنف والمعاناة برز الدور المصري بوصفه عامل توازن حقيقي لا يعتمد على الضغوط الإعلامية بل على العمل السياسي الهادئ والمتواصل.
لم يكن التحرك المصري نابعا من رد فعل لحظي بل من إدراك عميق بأن استمرار الحرب وتهديد وجود شعب بأكمله لا يمثل خطرا إنسانيا فقط بل تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي والدولي. ومن هنا جاءت الجهود المصرية لتثبيت مبدأ أساسي: لا يمكن تجاوز حقوق الفلسطينيين ولا يمكن فرض حلول بالقوة ولا يمكن القبول بمنطق الإبادة أو التهجير تحت أي مسمى.
ما لفت الانتباه في دافوس لم يكن مجرد طرح سياسي بل قبول دولي متزايد لفكرة أن معالجة الأزمات الكبرى تحتاج إلى مقاربات جديدة تتجاوز الأدوات التقليدية التي أثبتت فشلها. في هذا السياق برزت المبادرات الساعية إلى وقف النزاع وحماية المدنيين وفتح مسارات لإعادة الإعمار بوصفها تعبيرا عن تحول في التفكير الدولي فرضته الوقائع وساهمت فيه السياسة المصرية بوضوح.
هذا الحضور السياسي تزامن مع واقع اقتصادي مختلف لمصر واقع لا يخلو من التحديات لكنه يحمل مؤشرات جدية على قدرة الدولة على إعادة بناء نفسها وتقديم نموذج يقوم على التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمارات وتوسيع قاعدة الإنتاج. ولم يكن ذلك غائبا عن نقاشات دافوس حيث لم تطرح مصر بوصفها ساحة أزمات بل شريكا محتملا في مرحلة إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
اللافت أن هذا التقدير لم يأتِ من فراغ بل من مسار طويل من القرارات الصعبة والإصلاحات المؤلمة أحيانا والتي هدفت في جوهرها إلى تثبيت الدولة وبناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الصدمات العالمية. في عالم يتغير بسرعة باتت القدرة على التكيّف شرطا للبقاء ومصر قدمت نفسها كدولة تدرك هذه الحقيقة وتعمل على أساسها.
سياسيا اكتسبت القاهرة مكانة متقدمة بوصفها طرفا يمكن الوثوق به لا يغامر بالمنطقة ولا يساوم على أمنها ولا ينخرط في صراعات عبثية. هذه المكانة لم تصنع في قاعة واحدة أو مؤتمر واحد بل عبر مواقف متراكمة أثبتت أن الاستقرار ليس شعارا بل سياسة تدار بعقل بارد وإرادة واضحة.
في دافوس لم تكن مصر بحاجة إلى استعراض لأن تأثيرها كان حاضرا في مضمون النقاش وفي القضايا التي فرضت على جدول الأعمال وفي الاعتراف غير المعلن بأن المنطقة لا يمكن تجاوزها ولا يمكن إدارة أزماتها دون دور مصري فاعل. وهذا في حد ذاته رسالة بالغة الدلالة في زمن تتغير فيه خرائط النفوذ .. قد يختلف المراقبون في تقييم تفاصيل المشهد الدولي لكن ما لا يمكن إنكاره أن لحظة دافوس كشفت عن حقيقة مهمة: العالم يبحث عن شركاء عقلانيين لا عن لاعبين عابرين. ومصر بسياساتها المتزنة ورؤيتها الواقعية أثبتت أنها قادرة على أن تكون جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة .. في النهاية لم يكن ما حدث مجرد حضور في منتدى عالمي بل تعبيرا عن موقع دولة تعرف نفسها وتعرف ماذا تريد وتتحرك بثقة في عالم مرتبك. وهذا في السياسة الدولية مكسب لا يقل قيمة عن أي رقم اقتصادي أو اتفاق تجاري.