في ظل مرحلة فارقة مليئة بالتحديات الاقتصادية وتوقيت بالغ الحساسية تتعاظم فيها الضغوط الداخلية والخارجية، يصبح طرح القضايا الكبرى بشفافية وشجاعة مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل، ومن هذا المنطلق، تبرز مبادرة «اليوم السابع» لفتح نقاش معمق حول القضايا الاقتصادية الجوهرية، وفي مقدمتها ملف الدين العام، باعتبارها نموذجا متقدما للإعلام الواعي الذي يدرك أن دوره لا يقتصر على نقل الواقع، بل يمتد إلى المساهمة في تفسيره، وتفكيك تعقيداته، وتهيئة المجتمع للتعامل معه بعقلانية ومسؤولية.
إن خطورة القضايا الاقتصادية لا تكمن فقط في أرقامها أو مؤشراتها، وإنما في تأثيراتها العميقة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وعلى قدرة الدولة على الاستمرار في مسار التنمية ومن هنا، فإن طرح ملف الدين العام بهذا القدر من الجرأة والمسؤولية يعكس فهما واعيا لطبيعة المرحلة، وإدراكا بأن الصمت أو المعالجة السطحية لم تعد خيارا مقبولا في ظل التحديات المتراكمة إقليميا ودوليا.
ما يميز مبادرة «اليوم السابع» ليس مجرد فتح الملف، وإنما طريقة التعاطي معه فقد ابتعدت المبادرة عن الخطاب الشعبوي أو التناول الانفعالي، وراهنت على المعرفة والتحليل العلمي، وعلى إتاحة مساحة حقيقية لتعدد الرؤى واختلاف الزوايا وهذا النهج يعيد للإعلام الجاد مكانته كمنصة للحوار الوطني، وليس ساحة للتخويف أو التهوين أو تصفية الحسابات.
إن إدارة ملف الدين العام لا يمكن أن تنجح عبر حلول تقليدية أو قرارات منعزلة عن السياق العام فهي قضية مركبة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية بالسياسية والاجتماعية، وتتطلب مقاربة شاملة تقوم على الشفافية، وتبادل المعلومات، وإشراك المؤسسات التشريعية، والاستفادة من الخبرات الأكاديمية، وفتح قنوات التواصل مع الرأي العام وهنا تبرز قيمة المبادرات الإعلامية الواعية التي تسهم في بناء هذا الجسر الضروري بين صانع القرار والمجتمع.
لقد أثبتت التجارب الدولية، أن الإصلاحات الاقتصادية، مهما بلغت دقتها الفنية، تفقد جزءا كبيرا من فعاليتها إذا غاب عنها الفهم المجتمعي والقبول العام ومن ثم، فإن رفع الوعي بطبيعة التحديات، وشرح الخيارات المتاحة، وتوضيح كلفتها وآثارها، يمثل شرطا أساسيا لنجاح أي سياسة اقتصادية وهو دور لا تستطيع الدولة القيام به منفردة دون إعلام مسؤول يدرك خطورة الكلمة وأثرها.
كما أن فتح النقاش حول الدين العام يفتح بالضرورة الباب أمام التفكير في حلول غير تقليدية، تتجاوز منطق الاقتراض إلى منطق تعظيم الموارد، وتحفيز الإنتاج، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية وهذه الرؤى لا تولد في غرف مغلقة، وإنما تتشكل عبر حوار مجتمعي واسع تشارك فيه النخب والخبراء والمؤسسات، وهو ما تسهم فيه مثل هذه المبادرات بوضوح.
ولا يمكن إغفال البعد السياسي لمثل هذه المبادرات، إذ إن ترسيخ ثقافة النقاش العام القائم على المعرفة يعزز مناعة الدولة في مواجهة الشائعات وحروب الوعي، ويقوي الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويؤكد أن الدولة لا تخشى طرح قضاياها بوضوح، ولا تتعامل مع شعبها بمنطق الوصاية، بل بمنطق الشراكة والمسؤولية المشتركة.
إن مبادرة «اليوم السابع» تمثل نموذجا للإعلام الذي يدرك أن دوره الحقيقي يبدأ عندما تشتد التحديات، وأن المهنية لا تنفصل عن الوطنية، وأن دعم الاستقرار لا يكون بالصمت، بل بالطرح المسؤول ومن هذا المنطلق، فإنني أؤكد أن مثل هذه المبادرات تسهم في دعم مسار الإصلاح الاقتصادي والسياسي في آن واحد، وتضع لبنة أساسية في بناء وعي وطني رشيد قادر على استيعاب الواقع والتفاعل معه بوعي وثقة.
يظل الرهان الحقيقي في هذه المرحلة على الوعي، والإعلام الجاد هو أحد أهم أدوات بنائه ومبادرة «اليوم السابع» تمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، تستحق الدعم والتطوير، بما يخدم المصلحة العامة، ويعزز قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة التحديات بروح المسؤولية والشراكة.