عماد الدين حسين: السادات أحد أكثر السياسيين حضورًا وتأثيرًا في التاريخ الإنساني الحديث
شهدت قاعة كاتب وكتاب بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته ال57، مناقشة كتاب "شعر معاوية السادات وخصومه" للكاتب الصحفي أكرم القصاص، وجاءت الندوة بحضور كل من الكاتب الصحفي عماد الدين حسين، الكاتب الصحفي وائل لطفي، وأدار الندوة الروائي الدكتور أحمد إبراهيم الشريف رئيس قسم الثقافة باليوم السابع.
وقال أكرم القصاص إن الجزء الأهم في قراءته لتجربة الرئيس محمد أنور السادات يرتبط بأحداث عام 1977، باعتبارها لحظة فارقة مثّلت بداية انقطاع شعرة دقيقة في مسار سياسي واقتصادي معقد.
وأضاف القصاص أنه توقف عند السؤال المتجدد حول انتفاضة 1977، وفكرة الإصلاح والدعم، وما إذا كانت تلك اللحظة لا تزال مطروحة للنقاش حتى اليوم، في ظل ما يُعرف بـ "تيار السادات" في تلك المرحلة، رغم أن هذه السياسات عجزت عن تقديم بدائل.

ندوة أكرم القصاص بمعرض الكتاب
أحداث 1977 لم تكن مجرد انتفاضة حرامية
وأوضح القصاص أنه يرى أن أحداث 1977 لم تكن مجرد انتفاضة حرامية كما وصفها السادات ولكنها لم تكن انتفاضة شعبية، بل كانت في جوهرها صدامًا اقتصاديًا واسعًا، لم تحل أسئلته حتى الآن، وهو هل كانت صناعة السلام وحدها قادرة على حله؟
وأشار إلى أن تيار السادات كان قائمًا على قناعة بضرورة وقف الحرب، مقابل رؤية لدى قطاعات من الشباب آنذاك رأت أن الصراع لم يكن محصورًا بين مصر وإسرائيل فقط، بل ارتبط بشكل أو بآخر بالدور الأميركي في المنطقة.
وأكد أن رؤية السادات انطلقت من إدراك بأن مصر يجب أن تنتقل إلى "مطار سياسي" جديد، وألا تظل أسيرة منطق الحروب والمغامرات العسكرية المستمرة، رغم بسالة الجيش المصري وقدرته القتالية.
ولفت إلى أن مظاهرات الطلاب جاءت في سياق ما يمكن اعتباره قطاعًا استراتيجيًا ضاغطًا، في وقت لم يكن فيه المجتمع مهيأً للحركة السياسية التي كان النظام يستعد لها بعد انتصار أكتوبر.

جانب من الندوة
شعرة معاوية تناول مرحلة الانتقال إلى بناء السلام
وأوضح أن "شعرة معاوية" تناول مرحلة الانتقال إلى بناء السلام، وكيفية تشكّل علاقة السادات مع جماعة الإخوان وعدد من التيارات العميقة، التي انتهى بعضها إلى اغتيال الرئيس لاحقًا.
وأشار إلى أن هذه التيارات حظيت في مرحلة ما بدعم ضمني لمواجهة خصوم سياسيين، في إطار تجربة سياسية خاصة بإطلاق الأحزاب وفتح المجال العام، وهي تجربة حملت فرصًا لم تُستثمر بالكامل.
وأضاف أن السادات كان، في جانب من تجربته، جزءًا من رغبة أميركية أوسع، وأن صناعة سلام 1979 شكّلت قيمة مفصلية أعادت رسم العلاقة بين مصر والإخوان، بل وأسهمت في تحولات كبرى لم تقتصر على الداخل المصري فقط، وإنما امتدت إلى الإقليم والعالم.
وأردف: فحص حياة السادات السياسية يفتح الباب لفهم أعمق لتلك التحولات، وأن هذه النقاط تمثل خلاصة متابعة امتدت لأحد عشر عامًا، وهي معروفة لدى كثيرين، حتى وإن لم يتوقف الجميع عندها بالقدر الكافي.
فالسادات، برأيه، يمثل حلقة شديدة الأهمية في تاريخ مصر الحديث، ودراسة تجربته يجب أن تتم بوصفها جزءًا من حلقات الإيمان بالتاريخ وفهمه، لا بوصفها مادة للصراع والانقسام.
ويختتم بالقول إن هدفه من هذا الطرح، ومن هذا الكتاب تحديدًا، هو المساهمة في إنهاء حالة الاستقطاب الحاد في السياسة المصرية، معتبرًا أن الكتاب جزء من مشروع أوسع يسعى إلى تجاوز الاستقطاب، والاعتراف بأن لكل مرحلة، ولكل رئيس وزعيم، ما له وما عليه من نجاحات وإخفاقات واستحقاقات، مؤكدًا أن الفكرة الأساسية هي الفهم لا الإدانة، متمنيًا أن تكون الصورة قد اتضحت.

ندوة أكرم القصاص
في السياق ذاته، قال عماد الدين حسين، رئيس تحرير جريدة الشروق، إن شارك، مع آخرين، في تجارب سياسية وفكرية متعددة، وكان منخرطًا في أكثر من تيار، وخاض مراحل من التعاقد والاختلاف الحاد، ومع القراءة والتأمل، تبلورت لديه قناعة أساسية مفادها أن من لا يميز بين أفكاره ومواقفه يقع في الخلط، خاصة عند التعامل مع شخصيات تاريخية كبرى، حيث لا بد من الفصل بين المبادئ الأساسية الثابتة، وبين الأشكال المتغيرة التي تفرضها الظروف والسياقات.
وأضاف أن جيله كان يضم مجموعة كبيرة من المنخرطين في العمل العام، وكان من بينهم من عاصروا أحداثًا وتفاعلات مهمة، مشيرًا إلى أن الرئيس أنور السادات، رحمه الله، كان زعيمًا صاحب عزيمة قوية، وترك أثرًا بالغًا في تاريخ مصر، موضحًا أن الفكرة المحورية التي يناقشها الكتاب تعد، في رأيه، فكرة صحيحة للغاية، وتستحق أن يركز عليها الجميع.
وأكد حسين أن جوهر الإشكال في السياسة المصرية يتمثل في التعامل معها بمنطق "الأهلي والزمالك"، أو بمنطق أبيض وأسود، وكأن السياسة مباراة تشجيع لا مجال فيها للتفكير أو التحليل.
وأشار إلى أن هذا النمط من التفكير ليس حكرًا على مصر، بل هو شائع في كثير من القضايا العربية، ومنها الصراع مع إسرائيل، حيث تتحول المواقف إلى اصطفافات جامدة تعجز عن إنتاج حلول حقيقية.
وشرح أن الوصول إلى مستوى من النضج السياسي يعني امتلاك ثقافة البحث عن الحلول، ودراسة التجارب المختلفة، سواء كانت في عهد جمال عبد الناصر أو أنور السادات، مؤكدًا أن كليهما أخطأ وأصاب.
وأكد أن التعامل الموضوعي مع التاريخ يقتضي الاعتراف بالنجاحات والإخفاقات معًا، لأن الجدل العقيم لا ينتهي، بينما الاستقطاب يزدهر كلما أصر البعض على فكرة واحدة ورفضوا ما عداها.
ويضرب حسين مثالًا من حياته الشخصية، قائلًا إنه "زملكاوي جدًا"، ومع ذلك يدرك أن تشجيع كرة القدم لا يجب أن يُسقط على السياسة، فكما أن المباريات تخضع لظروف وأداء داخل الملعب، فإن قراءة التاريخ والسياسة يجب أن تتم في ضوء الظروف التاريخية التي أحاطت بكل مرحلة، فكلما تعمقنا في القراءة والفهم، اقتربنا من الموضوعية، حتى وإن كانت الموضوعية الكاملة أمرًا صعب المنال.
عماد الدين حسين السادات له فضل عظيم لا يمكن إنكاره
ويؤكد أن السادات، من وجهة نظره، له فضل عظيم لا يمكن إنكاره، ومن يتجاهل ذلك يفقد القدرة على الرؤية المنصفة، فقد أدار مرحلة شديدة التعقيد، وحقق انتصارًا مهمًا في سياق تاريخي بالغ الصعوبة.
وتذكر كيف كان جيله، في صغره، ينظر إلى الحروب نظرة مبسطة، قبل أن يفهم لاحقًا تعقيدات ما جرى، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية آنذاك.
وأشار حسين إلى أن مرحلة ما بعد عبد الناصر شهدت محاولات لإعادة بناء الدولة واستعادة التوازن، في وقت كانت فيه السماء المصرية مؤمّنة من أسوان حتى القناطر، بينما كانت دول وقوى إقليمية عديدة تعيش اضطرابات كبرى، ومن هنا، فإن قراءة الصورة الكاملة تفرض الإقرار بأنه لا يوجد "ملاك وشياطين" في التاريخ، بل بشر وسياسيون اجتهدوا فأصابوا وأخطأوا.
واختتم عماد الدين حسين حديثه بالتأكيد على أن السادات يُعد واحدًا من أكثر السياسيين حضورًا وتأثيرًا في التاريخ الإنساني الحديث، وكان يؤمن بفكرة القيادة المرنة القادرة على شد الخيط أو إرخائه حسب الموقف، فجوهر السياسة، في رأيه، هو القدرة على التواصل مع الآخرين، وإدارة الخلاف دون شيطنة، لا الاكتفاء بترديد أن "الآخر مخطئ"، لأن هذا المنطق وحده لا يصنع وعيًا ولا يبني دولة.
وائل لطفي: دراسة التاريخ تساعد على فهم العلاقات المعقدة بين الشخصيات السياسية
بدوره، قال الكاتب الصحفي وائل لطفي إن اختيار موضوع الكتاب كان مهمًا للغاية، ويُظهر تنوعًا في زاوية التحليل والتناول، مشيرًا إلى أن القراءة المتأنية للتاريخ أمر ضروري، كما أكد الأستاذ أكرم القصاص.
وأضاف لطفي أن دراسة التاريخ تساعد على فهم العلاقات المعقدة بين الشخصيات السياسية، وفي مقدمتهم الرئيس أنور السادات، وفهم طبيعة الخصومات والتحالفات التي كانت تتشكل خلال تلك الفترة.
وأشار إلى أن العلاقة بين السادات وبعض الشخصيات الخليجية كانت متشابكة، وأن هناك تفاهمات وتحالفات شكلت خلفية الأحداث السياسية، وهو ما يمكن فهمه من خلال محاضراته وجلساته المختلفة.
وأوضح لطفي أن طبيعة شخصية السادات جعلته قادرًا على التواصل مع الشعب بصورة مباشرة، وأنه كان يُعالج القضايا الشعبية بسرعة، مع الحفاظ على رؤية سياسية واضحة.
وأكد على أن قراءة التاريخ بصورة دقيقة تُتيح لنا فهم الصورة الكاملة للأحداث، والتعامل مع الماضي بطريقة موضوعية تساعد على استخلاص الدروس اللازمة دون تحيز أو استقطاب.

