نقاد وفنانون يلقون الضوء على محطات حياة محمود مختار بمعرض الكتاب

السبت، 24 يناير 2026 09:00 م
نقاد وفنانون يلقون الضوء على محطات حياة محمود مختار بمعرض الكتاب ندوة محمود مختار

كتبت بسنت جميل

شهدت قاعة الندوات المتخصصة فى معرض الكتاب ندوة بعنوان "حياة مختار"، بحضور الدكتور عماد أبو غازي وزير الثقافة الأسبق، والدكتور النحات الميداني محمد العلاوي، والدكتور الفنان خالد البغدادي، فيما أدار الندوة الدكتور شريف عارف.

وفي كلمته، أعرب الدكتور شريف عارف عن سعادته بإدارة هذه الجلسة، مؤكدًا أن محمود مختار يمثل شخصية متفردة أثرت الحياة الفنية المصرية، موضحًا أن قصر عمره لا يقلل من ضخامة إرثه الفني، الذي لا يزال حاضرا ومؤثرا حتى اليوم.

وأشار عارف، إلى أن سيرة مختار ارتبطت بالبيئة والمجتمع، وأن ثورة 1919 شكلت نقطة تحول فارقة في حياته الفنية، حيث أصبح شريكا أساسيا وملهما للقضية القومية.

وأضاف عارف،  أن اختزال محمود مختار في تمثال "نهضة مصر" فقط يعد ظلما لتجربته، إذ قدم العديد من الأعمال الفنية الخالدة، مؤكدا أن مختار ملك لكل المصريين.

كما تابع عارف، أن الدكتور عماد أبو غازي سيتناول تجربة مختار من زاوية مختلفة، من خلال رحلته الفنية وأسباب استمرار حضوره وتأثيره حتى اليوم.

رحلة ميلاد ونشأة محمود مختار

من جانبه، استعرض الدكتور عماد أبو غازي رحلة ميلاد ونشأة محمود مختار، موضحا أنه ولد في إحدى قرى دلتا مصر بمحافظة الغربية، ونشأ في بيئة ريفية كان لها أثر بالغ في تكوين وعيه الفني، مؤكدا أن شخصية والدته "نبوية" كان لها تأثير كبير في حياته، لما تحلت به من قوة واستقلالية، وهو ما انعكس على اختيارات مختار لاحقا.

وأوضح أبو غازي أن ملامح الفن بدأت تتشكل لدى مختار في قريته، حيث تأثر بالسير الشعبية مثل عنترة وأبو زيد الهلالي، ثم انتقل إلى القاهرة في سن مبكر، حيث التحق بمدرسة الفنون الجميلة كأول طالب بها، ولفت الأنظار إلى موهبته، مما دفع أساتذته إلى تخصيص مرسم خاص له.

وأشار  ابو غازي، إلى أن مختار شارك في مظاهرات ثورة 1919، وتعرض للاعتقال لمدة 15 يوما ، وهي فترة تركت أثرًا واضحًا في وعيه الوطني،  كما تحدث عن إضراب طلاب الفنون الجميلة وفصله من المدرسة، وبعد ذلك  حرصت إدارة المدرسة على الحفاظ على موهبته الفنية وبعدذلك عاد ليدرس بالمدرسة.

وأضاف أبو غازي،  أن مختار سافر إلى فرنسا في بعثه شكلت صدمة حضارية مهمة، ساعدته على اكتشاف هويته المصرية بشكل أعمق، موضحا أنه خلال الحرب العالمية الأولى اضطر للعمل في مصانع لفترة، قبل أن يحقق نجاحًا لافتًا في الأوساط الفنية بباريس.

واضاف أبو غازي، بالتأكيد على أن ثورة 1919 كانت الشرارة الحقيقية التي فجرت إبداع مختار، لتخرج إلى النور أيقونته الخالدة نهضة مصر، باعتبارها تعبيرًا صادقًا عن الوعي الوطني والهوية المصرية الحديثة.

وتابع أبو غازي، أن تمثال "نهضة مصر" هو تعبيرا عن رمز المرأة المصرية والفلاحة بوصفها التعبير الأصدق عن روح الوطن، انطلاقا من جذوره الريفية وتأثره العميق ببيئته الأولى.

وأفاد غازي، إلى أن هذا الاختيار لم يكن عشوائيًا، بل ارتبط بصورة امه بوصفها نموذجًا ملهمًا في حياة مختار، لما تمثله من قوة وتمرد وقدرة على اتخاذ القرار، مؤكدا أن الفلاحة في التمثال تجسد الإرادة والوعي والقدرة على النهوض.

وأشار الدكتور عماد أبو غازي، إلى أن ثورة 1919 شكلت الميلاد الثاني لمحمود مختار، إذ جاءت لحظة تصميمه لتمثال «نهضة مصر» بوصفها أول عمل ميداني كبير له، بعد مرحلة طويلة من البحث والتأمل الفني

وأوضح غازي، أن مختار واجه أزمات عديدة خلال حياته، إذ تعرضت أفكاره لمقاومة شديدة، ولم تكن رؤيته الفنية مقبولة لدى الجميع، مشيرا إلى أن شخصيته المتمردة اتسمت بالسخرية والرفض الهادئ للواقع السائد، ما تسبب في تعطيل المشروع لفترات طويلة.

واضاف غازي،  أن السنوات الأخيرة في حياة مختار شهدت معارك فنية وفكرية قاسية، إلى جانب تدهور حالته الصحية، ورغم ذلك ظل يعمل على مشروعات فنية مستلهمة من التاريخ، وكان يحلم بعمل تمثال عن الإسكندر الأكبر وكليوباترا قبل رحيله.

الفن التشكيلي المصري

من جانبه، أكد الدكتور خالد البغدادي أن الحديث عن الفن التشكيلي المصري لا يكتمل دون التوقف أمام الدور المحوري لمحمود مختار، متسائلًا: "كيف كان سيكون المشهد الفني في مصر لو لم يظهر مختار؟"، مشيرًا إلى أن تأثيره تجاوز الإطار الفني ليشمل الأبعاد الثقافية والاجتماعية والسياسية، بوصفه الشرارة التي أطلقت مسارًا كاملًا من التحولات.

وأوضح البغدادي، أن الحركة التشكيلية في مصر تعد من أعرق الحركات في المنطقة، لافتًا إلى أن مصر عرفت التعليم الأكاديمي للفنون منذ عام 1839، وافتتحت مدرسة الفنون الجميلة عام 1908، في وقت لم تكن فيه العديد من دول المنطقة قد تشكلت بعد، مما يعكس ريادة مصر التاريخية في هذا المجال.

وأشار البغدادي،  إلى أن محمود مختار يمثل الشرارة الأولى لعظمة الفن التشكيلي المصري الحديث، ونموذجًا عمليًا لنجاح فكرة التعليم الفني الأكاديمي، مؤكدا أن مختار رغم كونه فلاحا مصريا، استطاع أن يحقق دورا مفصليا ونوعيا في تاريخ الفن، وهو ما جعله نموذجا ملهما لأجيال عديدة، وكان له تأثير مباشر في مسيرته الشخصية وحبه للفن.

وأضاف البغدادي، أن مختار سبق عصره، إذ أدرك المعادلة الفنية الناجحة التي تقوم على الانطلاق من التراث الحضاري المصري، مع التفاعل الواعي مع روح العصر، والاستناد في الوقت نفسه إلى بيئة مصرية ثرية وممتدة الجذور.

وفي السياق ذاته ، قال محمد العلاوي، إن محمود مختار كان محظوظا بولادته في مصر، مهد أعظم الحضارات الإنسانية، مشيرا إلى أن الحضارة المصرية القديمة تظل الأعرق والأبقى في التاريخ، وقد كتب عنها كثيرون، لكنها لا تزال تحمل أبعادًا عميقة لا يراها إلا من يمتلك حسًا فنيا استثنائيًا.
وأوضح العلاوي،  أن مختار امتلك القدرة على رؤية الحضارة المصرية والتشبع بروحها، وهو ما انعكس بوضوح في أعماله، خاصة تماثيل الفلاحات، التي تحمل مسحة الفن المصري القديم، وتمنح العمل الفني قدرة على البقاء والخلود، على عكس العديد من الحضارات الأخرى التي اندثرت أعمالها مع الزمن.

وأشار  العلاوي، إلى أن مختار فهم جوهر الشخصية المصرية واستوعبها بعمق، وهو ما تجلي خصوصا في تجسيده للمرأة والفلاحة المصرية، باعتبارها رمزا للوطن القادر على النهوض واستعادة هويته الأصيلة، وهو ما ظهر في الطروحات الفنية المرتبطة برموز النهضة الوطنية.

وأضاف العلاوي أن مختار قدم تمثال نهضة مصر في باريس، وحصل من خلاله على الميدالية الذهبية، معتبرًا أن ما فعله مختار للفن المصري يشبه ما قدمه نجيب محفوظ للأدب المصري، حيث استطاع كل منهما التعبير عن مصر بروحها وهويتها الخاصة، وإيصالها إلى العالم.

وأكد العلاوي،  أن مختار أسس مرحلة جديدة في تاريخ الفن المصري الحديث، معتمدًا على الجمع بين الأصالة والابتكار، وأن الفنان الحقيقي هو من يضيف إلى العمل الفني قوة وتأثيرًا قادرين على تحريك الوجدان العام، وهو ما نجح فيه مختار بامتياز.

واختتم العلاوي، حديثه بالتأكيد على أن محمود مختار كان فنانًا متكاملًا، جمع بين الموهبة والنجاح الأكاديمي والمهارة التقنية والرؤية الفكرية والمهنية، ما جعله أحد أعمدة الفن التشكيلي المصري عبر التاريخ.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة