هناك مقولة لـ"أنيس منصور"، تقول: "العاقل يستفيد من أعدائه... والغبي لا يستفيد من أصدقائه"، والحقيقة أنها أصابت كبد الحقيقة، فهناك أشخاص بالفعل لديها قدرة رهيبة على الاستفادة من كل شيء تلتقي به، وهذا ليس بدافع تحقيق المصلحة، ولكن لإدراكهم أن الحياة تفقد معناها وقيمتها إذا لم يتم الاستفادة من كل عناصرها، لذا يسعى هؤلاء إلى التعلم والفهم الإدراك، حتى يكونوا حصيلة فكرية وعقلية تؤهلهم إلى التعايش في الحياة، والقدرة على التعامل مع البشر، فهم يُريدون تذليل العقبات، وتخطي العثرات، ومواجهة التحديات.
فهذه ثقافة العلماء والعظماء والمثقفين الذين يريدون أن يكون لهم دورًا حقيقيًا وفعالاً في الحياة، ولا يُريدون أن يمروا بها مر الكرام، في حين أنه يوجد غيرهم مَنْ تأتي إليه المعلومات والقدرة على التعلم والنجاح والتميز، إلا أنه لا يراها ولا يسمعها ولا يعبأ بها على الإطلاق، فهناك أشخاص تمنحهم الحياة فرصة معرفة أشخاص مميزين في العديد من العلوم، وأهمهم علم الحياة، ورغم ذلك لا يُحاولون الاستفادة، فكل شيء لديهم سطحي لا يتعمون في إدراك ما يستمعون إليه، وللأسف، هذه النوعية موجودة بكثرة في الحياة، فهم لا يُجهدون أنفسهم ولا عقولهم في الفهم والإدراك والتفكير.
ففي الحقيقة، هناك دول نجحت في الاستفادة أثناء الحرب من خبرات أعدائهم، لدرجة أنهم بدأوا في منافستهم في نجاحاتهم بسبب رغبتهم الشديدة في التميز ومعرفة كل شيء من حولهم. فالعقل يُجبر الإنسان على محاولة إدراك كل ما هو جديد، ولكننا الآن بتننا نستسهل كل شيء بمعنى أننا نجعل الأجهزة الإلكترونية تفكر بدلاً منا وتبحث بدلاً منا، وتفسر بدلاً منا، وكأننا نخشى إرهاق عقولنا، وننسى أن غذاء العقل هو التفكير باستمرار، حتى لا يتأكسد، وتضمر خلاياه، ولكن ما يحدث هو العكس، فكلما استحدثنا أجهزة أو تطبيقات جديدة، نبدأ في تنحية عقولنا جانبًا، ونبدأ في ترك كل شيء لهذا الجهاز، أو ذاك التطبيق.
ولو أردنا أن نُميز بين العاقل والغبي، فلن نجد وجه مقارنة أقوى من الرغبة في الاستفادة والفهم، لذا نجد دولاً تعقد بروتوكولات واتفاقيات وغيرها من الاتفاقيات مع غيرها من الدول، بُغْية الاستفادة من علمهم وخبراتهم، فهم يدركون أن الرغبة في الصعود إلى القمة تُذلل أي عقبات في سبيل الوصول إلى المعلومة التي قد تنقلهم من مكان إلى آخر، أي من الهاوية إلى القمة، وهذا هو قمة الذكاء، أما الغباء فهو أن نجعل العراقيل تقف أمام وصولنا إلى النجاح، أو نتعامل مع الحياة بلامبالاة واستهتار دون أن يستوقفنا أي شيء، أو تُحركنا أي رغبة في تطوير أنفسنا.
فلقد كان عظماء الماضي يسعون إلى المعرفة، حتى لو كان من مُنافسيهم وأعدائهم، فمصر كانت تستفيد من الغُزاة والمُحتلين لكي تنجح في محاربتهم بذات سلاحهم، ولذا كانت لنا الريادة في الفنون والآداب وغيرها من المجالات، لأن مَنْ يريد أن يساير الحياة، ويُدرك مستحدثاتها، ويتفهم مستجداتها، عليه أن يستفيد من كل كلمة ومن كل شخص، حتى يسبق الجميع، ويكون له دور بارز في الحياة، وهكذا نكون عُقلاء ونستخدم عُقولنا كما أمرنا الله.