تنطلق هذه الرواية من دائرة محددة، تلوح محدودة، ولكنها مفتوحة على عوالم رحبة، لا حدود لها. تتصل هذه الدائرة بتجربة زواج مبدع مصري شهير (تضع الرواية اسما موازيا له، وطبعا يسهل ردّ الاسم إلى صاحبه) من مثقفة مكسيكية، خلال فترة قصيرة زمنيا من مسيرة هذا المبدع، تنتمي إلى شهور بعينها في إحدى سنوات خمسينيات القرن الماضي. لكن الرواية تطلّ على هذه التجربة، وعلى تلك الفترة، من زمن آخر، ومن سياقات أخرى، وتستكشف فيهما، وفي الزمن الذي مرّ وانقضى، نوافذ مفتوحة على عوالم كبرى وصغرى، عالمية ومحلية، تتجاور فيها، وتتصارع، أحلام الأفراد والشعوب وممارسات قمعهم، وتطلعاتهم للتحرر ووسائل مواجهتهم، بأشكال ومستويات متعددة. وفيما بين الاهتمام بمعالم الزمن المرجعي الذي اقترنت به ملابسات التجربة التي تنطلق منها الكتابة، والاحتفاء بملامح الزمن الراهن القريب المتصل بزمن كتابتها، تتراءى تفاصيل حاشدة لمشهد واسع كبير.
تتناول الرواية قضايا قديمة متجددة، حول علاقة الحب بين طرفين ينتميان إلى عالمين متباعدين، والعمل الأدبي وإمكان (أو عدم إمكان) تفسيره من خلال حياة صاحبه، والنضال السياسي السري ومآلاته الممكنة، ودور الإبداع ومدى قدرته على تغيير المجتمعات، والنزاهة الأخلاقية الأكاديمية واختباراتها، والمرض الذي يلوح قدرا لا رادّ له وسبل مدافعته .. إلخ. وتصل الرواية بين هذه القضايا والوقائع، من جهة، والملابسات التي جسدتها، من جهة ثانية، والاحتمالات التي يمكن أن تحيط بها، في سياقات مغايرة، من جهة ثالثة.
تتناول الرواية هذه القضايا والوقائع عبر بناء محكم، تتحرك فيه حركة رحبة، دقيقة في الوقت نفسه، بين ما هو وقائعي وما هو متخيل، ما هو مدوّن ومحدّد وما هو مستدعى من ذاكرة مراوغة، ما هو حواري مع نص روائي بعينه (هو رواية "البيضاء" ليوسف إدريس) وما هو متفاعل مع حياة أو حيوات كاملة تتدفّق خارج الروايات. وبموازاة هذا كله يتحرك سرد الرواية، الغنيّ والمتقن معا، بين مستويات عدة: مستوى مرتبط برؤى ووجهات للنظر متنوعة، خلال اعتماد أكثر من راو وراوية للوقائع الواحدة (الراوي الخارجي، يحيى، روث..)، ومستوى مقترن بالانتقالات بين النزوع السيري الذي يحكي عن مسيرة بعض الشخصيات، ومستوى يصوغه الاندياح في بعض الأحلام، ومستوى يحدده، بدقة، الطابع الوثائقي الماثل في نصوص رسائل لبعض الشخصيات وفي اقتطاعات لأخبار من بعض الصحف، ومستوى يرسمه الرصد البصري الذي يحتفي بالصور والضوء والظلال.. والرواية تنجح، خلال حركة سردها بين هذه المستويات جميعا، في أن تصوغ طريق بحثها عبر مسيرة متنامية، من أول الرواية لآخرها، وفي أن تحافظ على إيقاع متصاعد، وعلى تناغم جميل.