في زمنٍ صارت فيه الشاشات مربيات بديلات، لم يعد السؤال: ماذا يفعل أطفالنا؟ بل: من يربيهم الآن؟
من منا لا يترك أطفاله لساعات طويلة أمام هاتف ذكي أو جهاز لوحي، فقط ليلتقط أنفاسه من صخبهم، أو يشتري بعض الهدوء المؤقت؟ نغلق الباب على الضجيج، ونفتح لهم نافذة على عالم لا نعرف له آخرًا.
ألعاب إلكترونية تتخفى في ثوب التسلية، وتبتسم بواجهات ملونة، لكنها في العمق مصانع صامتة للعنف، ألعاب ترفع شعار المرح، بينما تزرع في الوعي الصغير مفاهيم القتل والدمار والتبلد، وتعيد تعريف البطولة على أنها ضغط الزناد، والانتصار على أنه سقوط الآخر، الرحمة غائبة، والدم افتراضي، لكن الأثر حقيقي، يتسلل ببطء إلى القيم والسلوك.
كنا صغارًا نلعب في الشوارع، نختلف ونتصالح، نسقط وننهض، وكان للعب نهاية مع غروب الشمس وصوت الأم ينادينا، أما اليوم، فاللعب لا نهاية له، لا شارع، ولا شمس، ولا نداء، شاشة مفتوحة، وعالم بلا حدود، وطفل يغرق أكثر كلما ظننا أنه آمن في غرفته.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مشاهد العنف، بل في اعتيادها، حين يصبح القتل لعبة، والخسارة إعادة تحميل، يفقد الطفل حساسية المشاعر، ويختلط لديه الوهم بالواقع، وتُعاد برمجة وجدانه بعيدًا عن الرحمة والتعاطف والمسؤولية، اللعب لم يعد يطرق أبواب بيوتنا، بل اقتحمها، وجلس في الصدارة، بينما نقف نحن متفرجين.
الأمر لم يعد رفاهية نقاش، بل قضية أمن مجتمعي تستدعي تدخلًا عاجلًا، ومراقبة واعية، وحضورًا حقيقيًا من الأسرة قبل فوات الأوان، أطفالنا ليسوا حقول تجارب لتقنيات بلا ضمير.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المهم للفن الواعي، كما فعل المسلسل التلفزيوني لعبة وقلبت، حيث قدم الفنان أحمد زاهر أداءً استثنائيًا، نجح في دق جرس الإنذار، وفتح نافذة وعي حول خطورة هذه الألعاب على العقول الصغيرة.
أعمال درامية كهذه لا تكتفي بالإمتاع، بل تحرض على التفكير، وتستحق أن تتكاثر جرعتها في هذا التوقيت الدقيق، حفاظًا على المجتمع، وإنقاذًا لما تبقى من براءة.