لوح طيني، يُعرف اليوم باسم "لوح الشكوى إلى إيا ناصر"، كُتب منذ ما يقرب من 3800 عام، حوّل تاجرًا مغمورًا من العصر البرونزي إلى واحد من أكثر الشخصيات غير المتوقعة التي استمرت لفترة طويلة في ثقافة الإنترنت، وفقا لما نشره موقع" turkiyetoday".
إيا ناصر، تاجر النحاس الذي عاش في بلاد ما بين النهرين القديمة، معروف اليوم على نطاق واسع عبر الإنترنت باعتباره موضوع ما يوصف غالبًا بأنه أقدم شكوى عميل باقية، وهو وضع دفع اسمه إلى ما هو أبعد من الأوساط الأكاديمية وإلى ثقافة الميمات العالمية.
من موقع تنقيب أثري إلى عرض متحفي
عُثر على اللوح خلال عمليات التنقيب في مدينة أور في عشرينيات القرن الماضي، بقيادة عالم الآثار البريطاني ليونارد وولي. وكانت أور، الواقعة في ما يُعرف اليوم بجنوب العراق، مركزًا حضريًا واقتصاديًا هامًا في بلاد ما بين النهرين القديمة ، ويُعرض اللوح حاليًا في المتحف البريطاني، ضمن مجموعة النصوص المسمارية.

لوح الشكوى
كُتبت هذه اللوحة بالخط المسماري، ويعود تاريخها إلى حوالي عام 1750 قبل الميلاد، وتحتوي على شكوى حادة اللهجة موجهة إلى تاجر يُدعى إيا ناصر يتهمه كاتبها بتوريد سبائك نحاسية رديئة الجودة، وممارسة أساليب تجارية احتيالية، وبسبب أسلوبها ومضمونها، يُشار إلى هذا النص على نطاق واسع بأنه أقدم شكوى معروفة من عميل في العالم، إذ يُقدم لمحة نادرة وواضحة عن الصراعات التجارية اليومية في العصر البرونزي.
إعادة اكتشاف المحتوى بشكل واسع الانتشار في العصر الرقمي
على الرغم من معرفة المتخصصين بها لعقود، إلا أن اللوح دخل الثقافة الشعبية العالمية في وقت لاحق، ففي عام 2015، بدأت صور وترجمات النص بالانتشار على نطاق واسع على منصات مثل ريديت وتامبلر، وسرعان ما لفتت هذه المنشورات الانتباه، مما أدى إلى موجة من التغطية الإعلامية الدولية التي عرّفت إيا ناصر وتجارته بالنحاس لجمهور أوسع بكثير من علماء الآثار والتاريخ القديم.
إيا ناصر كنموذج أصلي على الإنترنت
ركزت التحليلات الأكاديمية لهذه الظاهرة على كيفية استمرار هذه الظاهرة وأسبابها، وقد جادل غابرييل موشينسكا، الأستاذ في جامعة كوليدج لندن ، بأن التفسير الأكثر ترجيحًا هو أيضًا الأبسط.
فمن خلال دراسة مجموعة كبيرة من الصور والنصوص والتعليقات على الإنترنت، تتبع الباحثون ظهور وتطور ظاهرة "إيا ناصر" في الوسائط الرقمية. ويشير هذا العمل إلى أن هذه الظاهرة تعمل بشكل أساسي كـ"نكتة داخلية"، يتم تداولها وفهمها ضمن مجتمعات إلكترونية محددة تستمتع بمزج الإشارات التاريخية الغامضة مع الفكاهة المعاصرة.

صورة ساخرة رائجة على الإنترنت تعيد تخيل الشكوى القديمة
في خضم هذه العملية، أُعيد تشكيل شخصية إيا ناصر نفسها لتصبح نموذجًا نمطيًا للمخادع، فبعد تجريدها من معظم تفاصيلها التاريخية، تظهر على الإنترنت كرمز للتجارة الخادعة والوعود المشكوك فيها، وهو نمط شخصية ينسجم بسهولة مع الروايات الحديثة حول عمليات الاحتيال والصفقات الفاشلة. ويساعد هذا التحول في تفسير مرونة هذه الفكرة وقدرتها على ربط النصوص القديمة بالتجارب المعاصرة.